07-02-2026 08:56 AM
بقلم : صائب عارف
يحتلّ يوم البيعة مكانة راسخة في الذاكرة الوطنية الأردنية، بوصفه مناسبة سياسية ودستورية ذات أبعاد تاريخية ومعنوية عميقة، تعبّر عن جوهر العلاقة بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني، وعن استمرارية الدولة الأردنية القائمة على الشرعية الدستورية والقبول الشعبي. ويصادف يوم البيعة السابع من شباط (فبراير) من كل عام، وهو اليوم الذي تولّى فيه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية عام 1999، بعد مبايعته ملكًا للمملكة الأردنية الهاشمية، خلفًا لوالده الراحل الملك الحسين بن طلال، باني الدولة الحديثة ورمزها التاريخي.
البيعة في السياق الدستوري والتاريخي
تستمد البيعة في الأردن مشروعيتها من الدستور، الذي نظّم انتقال السلطة بصورة واضحة وسلمية، ما جعلها نموذجًا في الاستقرار السياسي في محيط إقليمي مضطرب. فالبيعة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي تعبير صريح عن عقد وطني جامع، يقوم على الالتزام المتبادل: قيادة تتحمل المسؤولية وتلتزم بخدمة الوطن والمواطن، وشعب يعلن ولاءه في إطار القانون والدستور.
وقد شكّل انتقال السلطة عام 1999 محطة مفصلية في تاريخ الأردن، إذ جرى بسلاسة تعكس نضج الدولة ومؤسساتها، وتؤكد أن الشرعية الهاشمية ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، بل امتداد تاريخي متجذر في الثورة العربية الكبرى، وفي الدور الذي اضطلع به الهاشميون في بناء الدولة وصون استقلالها.
الملك عبد الله الثاني ومسيرة الحكم
منذ تولّي جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية، دخل الأردن مرحلة جديدة من العمل الوطني، عنوانها التحديث والإصلاح المتدرج، والحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وقد ركّز جلالته منذ البداية على بناء الإنسان الأردني بوصفه الثروة الحقيقية للدولة، فكانت الأولوية للتعليم، والتدريب، وتمكين الشباب، وتوسيع فرص المشاركة في الحياة العامة.
وفي الجانب الاقتصادي، واجه الأردن تحديات كبرى، من محدودية الموارد، إلى الضغوط الإقليمية واللجوء، إلا أن القيادة الهاشمية عملت على تنويع الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، والسعي إلى تحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف المحافظات، وتحدّ من الفوارق التنموية.
أما في المجال السياسي، فقد شهدت المملكة محطات إصلاحية متتابعة، شملت تطوير التشريعات، وتعزيز دور الأحزاب، وتحديث منظومة الإدارة العامة، في إطار رؤية تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
الدور الإقليمي والدولي
على الصعيد الخارجي، رسّخ جلالة الملك عبد الله الثاني مكانة الأردن كدولة ذات مصداقية عالية، وصوت عقلاني معتدل في القضايا الإقليمية والدولية. وظلّ الدفاع عن القضية الفلسطينية، ورفض محاولات تصفيتها، في صلب السياسة الأردنية، إلى جانب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تمثل التزامًا تاريخيًا وسياسيًا ودينيًا ثابتًا.
وقد أسهم هذا النهج في تعزيز حضور الأردن على الساحة الدولية، وبناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل، والدفاع عن قضايا الأمن والسلام، والحوار بين الثقافات.
يوم البيعة: دلالات ومعانٍ
إن إحياء يوم البيعة سنويًا ليس مجرد احتفال رمزي، بل هو محطة وطنية لتجديد العهد، ومراجعة المسيرة، واستحضار التحديات والإنجازات. ففي هذا اليوم، يؤكد الأردنيون وحدتهم الوطنية، واعتزازهم بقيادتهم، وإيمانهم بأن الاستقرار الذي ينعم به الوطن هو ثمرة وعي شعبي، وحكمة قيادة، وتضحيات متراكمة عبر عقود.
كما يشكّل يوم البيعة فرصة لغرس قيم الانتماء والولاء في نفوس الأجيال الجديدة، وتعريفهم بمعنى الدولة، وأهمية الدستور، ودور المواطن في حماية مكتسبات الوطن والمشاركة في بنائه.
وفي الختام :
يبقى يوم البيعة في الأردن عنوانًا للشرعية والاستمرارية، ورمزًا لعلاقة متجذرة بين القيادة والشعب، تقوم على الثقة والمسؤولية المشتركة. وهو مناسبة وطنية تؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الواعي، ماضٍ بثبات نحو المستقبل، مستندًا إلى تاريخ مشرّف، وحاضر متماسك، وطموح لا ينفصل عن قيم الدولة ومصالحها العليا.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
07-02-2026 08:56 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||