03-02-2026 04:13 PM
بقلم : الدكتور علي الصلاحين
في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} لا يعرض القرآن مشهدًا أخرويًا منفصلًا عن واقع الإنسان، ولا يقدّم وصفًا غيبيًا غايته إثارة الرهبة فحسب، بل يوظّف حدثًا بالغ الهيبة ليؤدي وظيفة بلاغية وتربوية عميقة، تمسّ صميم السلوك الإنساني اليومي. فالآية لا تنشغل بتفاصيل الآخرة بقدر ما تكشف قانونًا أخلاقيًا ثابتًا: ما يُبنى في الخفاء، ويُمارَس في الحياة، يظهر واضحًا عند لحظة الامتحان.
إن تعبير «يُكشف عن ساق» يرسم لحظة انكشاف كبرى، لحظة تزول فيها الزينة، وتسقط الادعاءات، وتبرز الحقيقة كما هي، بلا تزييف ولا أقنعة. وهذا الانكشاف ليس حكرًا على يوم القيامة، بل هو سنّة تتكرر في حياة الأفراد والمجتمعات؛ فكثيرًا ما تفضح الشدائد معادن الناس، وتكشف الفرق بين من تربّى على المبدأ والالتزام، ومن اعتاد التكيّف والمسايرة. ومن هنا يستحضر القرآن مشهد الآخرة ليقول بوضوح هادئ: ما سيظهر هناك، إنما هو حصيلة ما صُنع هنا.
أما الدعوة إلى السجود، فليست في معناها العميق مجرد حركة جسدية، بل هي رمز للخضوع الواعي للحق والقيم. وفي واقع الإنسان المعاصر، تتجسد هذه الدعوة في كل موقف يُطلب فيه الانحياز للعدل، أو قول الصدق، أو تحمّل المسؤولية رغم الكلفة. فحين يُدعى الإنسان إلى موقف أخلاقي واضح، ويُطالَب بأن يقدّم المبدأ على المصلحة، يكون قد دُعي إلى السجود بمعناه الوجودي. وهنا يتمايز الناس: بين من تمرّن على الخضوع للحق في أوقات السعة والطمأنينة، ومن لم يعرف من الخضوع إلا شكله أو ما يخدم مصلحته.
وعجز بعض الناس عن السجود يوم القيامة لا يأتي فجأة، ولا يمثّل عقوبة طارئة، بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التصلّب الداخلي. فالإنسان الذي اعتاد المراوغة، وتبرير الأخطاء، والالتفاف على القيم، يفقد مع الوقت القدرة الصادقة على الاستجابة حين تحين اللحظة الحاسمة. وهذا ما نشهده في الواقع؛ إذ كثيرًا ما تعجز بعض النفوس عن اتخاذ الموقف الصحيح في الأزمات، لا لأنها لا تريد، بل لأنها لم تعد تملك القدرة الأخلاقية والنفسية على ذلك. لقد تصلّبت من الداخل قبل أن تتصلّب الأجساد.
ومن هنا يتضح أن العجز أو الخسارة في الآخرة ليسا انفصالًا عن الحياة الدنيا، بل هما تكثيف أخير لمسار اختاره الإنسان بإرادته. فمن اعتاد الصدق صار الصدق طبيعته، ومن اعتاد التهرّب صار العجز عن المواجهة جزءًا من كيانه. وتظهر العدالة الإلهية هنا لا في صورة انتقام، بل في صورة كشف نهائي للحقيقة، حيث يحصد كل إنسان ما ربّى عليه نفسه.
ويبلغ الخطاب ذروته حين يربط القرآن المشهد بسببِه مباشرة: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}. أي أن الفرصة كانت قائمة، والقدرة متاحة، والعذر منتفيًا. وهذه الجملة تنقل الخطاب من الآخرة إلى الحاضر، وتضع القارئ أمام سؤال لا مهرب منه: إلى أي خضوع للحق أُدعى اليوم وأنا سالم؟ وأي نداء أتجاهله بحجة الخوف أو المصلحة أو التأجيل؟
بهذه الانسيابية المحكمة، يحوّل القرآن الحدث الأخروي إلى مرآة للواقع، ويجعل المستقبل أداة لفهم الحاضر لا للهروب منه. فالآية لا تُراد لتغذية الخوف المجرد، بل لبناء وعي مسؤول، يدرك أن الامتحان الحقيقي لا يبدأ يوم القيامة، بل يتشكّل تدريجيًا في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تُبنى القدرة على السجود… أو يُصنع العجز عنه.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
03-02-2026 04:13 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||