02-02-2026 10:11 AM
سرايا - على عمق 80 قدماً تحت شوارع مانهاتن، يوجد قبو تابع لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يضم ذهباً ألمانياً بقيمة تقارب 220 مليار دولار. ربما حان الوقت لأن تبيع ألمانيا جزءاً منه.
اقتراحي الاستفزازي جاء مدفوعاً بدعوات حديثة من سياسيين ألمان في صفوف المعارضة، إضافة إلى الرئيس السابق للأبحاث في "البوندسبنك" إيمانويل مونخ، لإعادة هذا المخزون البالغ 1236 طناً إلى البلاد، وهو يتألف من نحو 100 ألف سبيكة. جاءت هذه المطالب في أعقاب تقويض الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وما أبداه من استخفاف واضح بحلفاء حلف شمال الأطلسي.
غير أن إعادة السبائك إلى ألمانيا من شأنه أن يفاقم توتر علاقة برلين بواشنطن، ويستفز ترمب، الذي يبدو شديد الهوس بالذهب. يكفي النظر إلى حرص البيت الأبيض الشديد على كل ما هو ذهبي. سلوك ترمب المتقلب، سواء كان متعمداً أم لا، يتسبب في موجة تخارجات من الدولار، ويدفع أسعار المعادن النفيسة إلى مستويات قياسية.
هذا التطور أفاد "البوندسبنك" بشكل كبير، وهو الجهة التي تدير احتياطيات الذهب الألمانية، الأكبر في العالم بعد الولايات المتحدة. تبلغ قيمة هذه الاحتياطيات نحو 500 مليار يورو (599 مليار دولار) بالأسعار الحالية، ما يعادل 18% من دين البلاد، ويشكل زيادة تقارب 19 ضعفاً منذ اعتماد ألمانيا لليورو في عام 1999.
إعادة ذهب ألمانيا تحت ضغوط تمكنت ألمانيا في عام 2017 من إعادة 300 طن من الذهب من نيويورك، عقب ضغوط سياسية داخلية طالبت بمزيد من الشفافية وإحكام السيطرة على الاحتياطيات. تعود هذه الحيازات إلى نظام "بريتون وودز" في مرحلة ما بعد الحرب، حين كان الدولار مدعوماً بالذهب. وتمثل نيويورك مركزاً رئيسياً لتداول الذهب، إلى جانب لندن.
في الوقت الراهن، لا يرغب "البوندسبنك" ولا الحكومة الائتلافية الألمانية في إعادة المزيد من الذهب. قال رئيس البنك المركزي يواكيم ناغل هذا الأسبوع: "لا يساورني أي شك في أن ذهبنا لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لا يزال مخزناً بأمان". هذا الموقف يبدو لافتاً في ظل تجاهل ترمب للأعراف المؤسسية. تجد برلين نفسها عالقة بين تعقيدات جيوسياسية وضغوط صعبة في هذه المسألة.
لدي حل أفضل: لماذا لا يجري بيع جزء من هذا المخزون، مع الاستفادة من ارتفاع الأسعار والطلب القوي؟
هذه ليست نصيحة استثمارية. لا أعرف ما إذا كانت أسعار الذهب تقترب من ذروتها أم ستواصل الصعود. من باب الشفافية، أمتلك قدراً من الذهب، وأتمنى، بأثر رجعي، لو امتلكت المزيد. أدرك أيضاً أن الدعوة إلى تخلي "البوندسبنك" عن جزء من هذا الكنز أمر أقرب إلى كونه من المحرمات في بلد عانى تضخماً مفرطاً في عشرينات القرن الماضي.
قد يهمك: الذهب يتجاوز 5500 دولار والفضة تسجل رقماً قياسياً جديداً
أسباب احتفاظ ألمانيا بالذهب في الوقت الراهن، لا توجد سوى أسباب عملية محدودة للاحتفاظ بهذا الحجم الكبير. بصفتها عضواً في منطقة اليورو، لم تعد لألمانيا عملتها الخاصة. مع ذلك، يحتفظ هذا المخزون الوطني بأهمية رمزية هائلة، والتفريط به لن يلقى قبولاً شعبياً. يقول هولغر شميتنغ، كبير الاقتصاديين في "بيرينبرغ" (Berenberg): "بيع جزء من الذهب تدريجياً عند هذه الأسعار المرتفعة للغاية لخفض الاقتراض الاتحادي سيكون منطقياً تماماً من الناحية الاقتصادية، لكنه سيكون خطيراً سياسياً. الألمان يحبون البوندسبنك كما هو".
تقف عقبات مؤسسية وقانونية عديدة في طريق أي عملية بيع. تحمي المعاهدات الأوروبية، عن حق، استقلالية البنوك المركزية الوطنية، وهو ما تذكرتُه مؤخراً عندما دخلت روما والبنك المركزي الأوروبي في شد وجذب حول ملكية ذهب إيطاليا.
التنفيذ سيكون صعباً أيضاً؛ إذ أن إغراق السوق ببيع حصة كبيرة من شأنه أن يأتي بنتيجة عكسية عبر خفض أسعار الذهب. قد ينظر المستثمرون إلى مثل هذه الخطوة على أنها مؤشر على ضعف اقتصادي أو على تمويل نقدي للموازنة، بحسب كيفية استخدام العائدات. هذا المسار يتطلب تنسيقاً بالغ الدقة.
سيعارض "البوندسبنك" ذلك بشدة. قال يواكيم ناغل في عام 2024 إنه لم يفكر في بيع الذهب "لجزء من الثانية"، وكرر مواقف مماثلة في الآونة الأخيرة. البنك المركزي امتنع عن التعليق على هذه المقالة.
لكن مع تجاوز حصة الذهب الآن 80% من الأصول الاحتياطية الرسمية لألمانيا، يظل من المشروع التساؤل عمّا إذا كان يمكن توظيف هذا المخزون بصورة أكثر إنتاجية. حتى من منظور إدارة المخاطر البحتة، يبدو غير حصيف وضع معظم بيض "البوندسبنك" في أصل متقلب إلى هذا الحد. رغم أن البنك المركزي ليس صندوق تحوط مهووساً بالعوائد، إلا أن اللحظة قد تكون مناسبة لجني الأرباح.
توزيع ذهب ألمانيا خلاصة القول إن طلب البنوك المركزية يسهم في القفزة الحادة لأسعار الذهب، إلى جانب المضاربات المحمومة للأفراد وما يُعرف بتجارة تآكل القيمة. بولندا المجاورة، غير العضو في منطقة اليورو، تشتري كميات كبيرة.
غير أن حيازات ألمانيا الأكبر بكثير تعود إلى فوائضها الضخمة في الحساب الجاري بعد الحرب العالمية الثانية. باستثناء مبيعات محدودة لسكّ العملات الذهبية، يترك "البوندسبنك" مخزونه اليوم دون مساس. يقبع نحو نصفه في فرانكفورت، و12% في لندن، والباقي في نيويورك، حيث لا يدر أي فائدة.
طالع أيضاً: عدد غير مسبوق من البنوك المركزية يخطط لتعزيز احتياطيات الذهب
تمسك "المركزي" الألماني بالذهب كان موقف "البوندسبنك" الرافض لبيع الذهب صحيحاً في العقود الماضية. تمسّك البنك باحتياطياته حتى في الوقت الذي عمد فيه نظراؤه الأوروبيون إلى بيع المعدن في مطلع الألفية. على نحوٍ لافت، أجاز وزير الخزانة البريطاني آنذاك غوردون براون بيع نحو 400 طن من الذهب بين عامي 1999 و2002، عند متوسط سعر بلغ 275 دولاراً للأونصة، ما وفّر 3.5 مليار دولار أُعيد استثمارها في احتياطيات من العملات الأجنبية المُدرّة للفائدة. واليوم، كانت تلك الكمية لتساوي نحو 70 مليار دولار. هذا كفيل بجعل أي شخص يتريث قبل الدعوة إلى خطوة مماثلة، لكن تمهّل معي.
صحيح أن الارتفاع الكبير في قيمة احتياطيات الذهب حقق فائدة بارزة لـ"البوندسبنك". شكّل ذلك عاملاً معاكساً لاستنزاف موارده المالية عقب فترة "التيسير الكمي" الأخيرة، حين اضطر إلى شراء كميات كبيرة من السندات منخفضة العائد بطلب من البنك المركزي الأوروبي.
نتيجة عدم التوافق بين الأصول التي حازها البنك والفائدة التي يتعين عليه دفعها على ودائع مؤسسات الائتمان، أعلن "البوندسبنك" تسجيل خسائر بنحو 20 مليار يورو في كل من العامين الماضيين. مع ذلك، وبفضل إعادة التقييم الضخمة لحيازاته من الذهب، ارتفع صافي حقوق الملكية لديه إلى أكثر من 250 مليار يورو وفق آخر قياس في فبراير 2025.
: الذهب يرتفع مع دعوة ترمب لإخلاء طهران وتزايد الطلب على الملاذات الآمنة.. تفاصيل أكثر هنا
أرباح البنك المركزي الألماني للأسف، لا يستفيد دافعو الضرائب الألمان من ذلك. أوقف "البوندسبنك" توزيعات الأرباح على الحكومة منذ عام 2020، ومن المرجح ألا يجري أي توزيعات لعدة سنوات إضافية بسبب مشكلات السندات. وفي هذا السياق، حصلت الحكومة الاتحادية بين عامي 2010 و2019 على نحو 25 مليار يورو كأرباح من البنك المركزي.
هنا تبرز فائدة ضخ سيولة ناتجة عن بيع جزء من ذهب "البوندسبنك". تواجه ألمانيا تحديات اقتصادية وديموغرافية ومالية هائلة. تخلى المستشار فريدريش ميرتس عن القيود المالية، وستقترض البلاد مئات المليارات من اليوروهات لتمويل بنية تحتية جديدة وبرامج إعادة التسلح، ما يضيف أعباءً كبيرة إلى الدين العام.
القلق أن تؤدي عائدات أي بيع للذهب إلى تخفيف الضغط على الحكومة لتنفيذ إصلاحات إنفاق ضرورية، ويكفي النظر إلى كيفية إنفاق جزء من صندوق البنية التحتية الجديد البالغ 500 مليار يورو.
رغم أن الساسة الألمان التزموا الصمت حيال هذا الملف في الآونة الأخيرة، اقترح مسؤولون في تسعينات القرن الماضي وبدايات الألفية أن يبيع "البوندسبنك" ذهباً لتمويل تعويضات فيضانات، أو إنشاء مؤسسة ثقافية، أو دعم التأمينات الاجتماعية. لم يتحقق أي من ذلك.
لعل "البوندسبنك" ينبغي أن يتقدم باقتراحه الخاص، كما فعل في عام 2004. آنذاك، اقترح رئيسه إرنست فيلتكه بيع ما يصل إلى 600 طن، أي أكثر من سدس الاحتياطيات، لشراء أصول مُدرّة للفائدة وتأسيس صندوق يدعم البحث والتعليم. واجه الاقتراح معارضة واسعة، واستقال فيلتكه على خلفية قضية أخرى قبل تنفيذ الخطة.
بعد مرور عقدين، تبرز جاذبية حقيقية لفكرة توظيف عائدات بيع كمية معتدلة من الذهب بما يخدم الأجيال المقبلة، ويساعد على تخفيف أزمة الإنتاجية، ويعزز النمو. هذه الفكرة تستحق أكثر من مجرد "جزء من الثانية" من التفكير.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
02-02-2026 10:11 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||