02-02-2026 08:51 AM
بقلم : د. خالد الشقران
تحت وطأة التحشيد العسكري وارتفاع منسوب التوتر الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، تتكشف هشاشة النظام الدولي أمام اختبار القوة والعقل معا، حيث أن التصعيد القائم بين إيران والولايات المتحدة، وما يرافقه من تصريحات متبادلة تجمع بين التهديد وإعلان الرغبة في التوصل إلى اتفاق سياسي، يعكس تناقضا عميقا في إدارة الصراع الدولي المعاصر، وهو ما يستدعي طرح سؤال مركزي حول جدوى الاستمرار في منطق العلاقات الصفرية، مقابل الحاجة إلى تعظيم المصالح المشتركة إن وجدت أو نقاط الالتقاء وبناء معادلات ربح متبادل تقي المنطقة والعالم كلفة الانفجار.
فالعلاقات الدولية حين تحكمها معادلة الغالب والمغلوب، تتحول إلى ساحة استنزاف مفتوح، حيث تتراكم الخسائر السياسية والاقتصادية والأمنية لدى جميع الأطراف، خاصة وأن الصراع الصفري يقترن دوما بافتراض تحقيق مكاسب طرف على أنقاض الطرف الآخر، لكنه في الواقع ينتج بيئات غير مستقرة، ويغذي سباقات تسلح، ويدفع الشعوب إلى دفع أثمان لا علاقة لها بحسابات النخب السياسية. في المقابل، يقوم منطق الربح المتبادل على إدارة الخلاف لا إلغائه، وعلى تحويل المصالح المتقاطعة إلى مساحات تفاهم قادرة على الصمود.
في هذا السياق، تبرز الضغوط التي تمارسها إسرائيل على الولايات المتحدة كعامل حاسم في دفع المشهد نحو مزيد من التصعيد، خاصة وأن إسرائيل ترى في إيران، ببرنامجها النووي وقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي عبر الأذرع والمليشيات، تهديدا استراتيجيا طويل الأمد، وتسعى إلى استثمار نفوذها السياسي والأمني والإعلامي لجر واشنطن نحو خيار عسكري يهدف إلى تدمير إيران وتقويض نظامها أو إضعافها جذريا، لكن هذا المسار، إن تم تبنيه، ينقل الصراع من إطار يمكن احتواؤه سياسيا إلى حرب مفتوحة تتجاوز حدود الأطراف المعنية، وتهدد استقرار الشرق الأوسط وتوازنات الاقتصاد العالمي.
الولايات المتحدة، رغم هذا الضغط، تدرك أن كلفة الصدام المباشر مرتفعة، وأن القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها وتأثيرها، ستبقى عاجزة عن إنتاج استقرار دائم، لذلك تطرح واشنطن حزمة مطالب ترى فيها مدخلا لتخفيف التصعيد والعودة إلى مسار تفاوضي، تتمثل في تنازل إيران عن برنامجها النووي، والحد من قدراتها الصاروخية، والتوقف عن التدخل في شؤون الدول الأخرى عبر أذرعها وميليشياتها المسلحة المنتشرة في المنطقة، وتشكل هذه المطالب من المنظور الأمريكي أساسا لإعادة بناء الثقة وضمان أمن الحلفاء ومنع انزلاق المنطقة نحو سباق تسلح غير مسبوق.
غير أن فرض هذه الشروط بمنطق الإملاء والقوة وازدواجية المعايير، خاصة في ظل تطبيق ذلك على إيران أو أي دولة في المنطقة تحاول بناء وتنظيم قوتها، وغض الطرف جملة وتفصيلا عن برنامج إسرائيل النووي وخروقاتها الفاضحة للقوانين والاتفاقيات الدولية وخاصة اعتداءاتها المستمرة والمتنامية على حقوق الشعب الفلسطيني، يفتح الباب أمام نتائج معاكسة، حيث تؤكد التجارب الدولية أن سياسات الضغط القصوى وازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا المصيرية للأمم والشعوب تعزز النزعات المتشددة، وتدفع الدول والشعوب المستهدفة إلى مزيد من التصعيد بدل تقديم تنازلات استراتيجية، وهنا تتجلى أهمية الانتقال من عقلية كسر الإرادة إلى عقلية إدارة المصالح، ومن خطاب التهديد إلى دبلوماسية قادرة على صياغة تسويات متوازنة تحفظ أمن واستقرار المنطقة كوحدة واحدة لا أن يتم التعامل مع ملفاتها وقضاياها بالتجزئة.
منطق Win-Win Situation في الحالة الإيرانية الأمريكية يفترض ضرورة وأهمية وجود مقاربة شاملة تعترف بتعقيد المشهد وتشابك مصالحه، تدمج الملفات النووية لكل دول المنطقة ضمن إطار رقابي دولي تدريجي، وتتناول القدرات الصاروخية ضمن ترتيبات أمن اقليمي أوسع تشمل كل القضايا العالقة في المنطقة، وتعالج مسألة النفوذ الإقليمي عبر تفاهمات سياسية تحترم سيادة الدول من قبل جميع القوى الإقليمية وفي مقدمتها إسرائيل وإيران وتحد من منطق الوكالة والصراعات بالنيابة، حيث تمنح مثل هذه المقاربة كل طرف شعورا بأن الاتفاق يحفظ كرامته ويحقق جزءا جوهريا من مصالحه، ما يعزز فرص الالتزام والاستدامة.
العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما الاستمرار في سياسة الحافة، حيث تتغلب ضغوط الحلفاء ومنطق الصراع الصفري على صوت العقل، وإما الاستثمار في ثقافة سياسية جديدة تعلي من قيمة الربح المشترك لكل الأطراف المعنية في المنطقة وتحد من الإغراءات والضغوطات التي تمارسها إسرائيل تحديدا لتأجيج الحرب، حيث أن ما يجري بين إيران والولايات المتحدة يشكل اختبارا حقيقيا لقدرة النظام الدولي على التعلم من أخطائه، والانتقال من منطق القوة العمياء إلى منطق التوازن العاقل، وهنا تقع المسؤولية على عاتق صناع القرار لدى كل القوى الفاعلة والمؤثرة إقليميا ودوليا بأن يجعلوا من السياسة فنا لتجنب الكارثة، وأن يختاروا طريق الحوار الذي يحمي الإنسان قبل المصالح الآنية الضيقة، ويحول التصعيد من تهديد وجودي إلى فرصة للتعامل مع قضايا المنطقة وفق مسطرة موحد تقوم على مبدأ العدالة لجعلها أكثر أمنا واستقرارا.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
02-02-2026 08:51 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||