حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,1 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4305

النائب تمارا ناصر الدين تكتب: عبدالله الثاني… هندسة الاستقرار في زمن التحولات

النائب تمارا ناصر الدين تكتب: عبدالله الثاني… هندسة الاستقرار في زمن التحولات

النائب تمارا ناصر الدين تكتب: عبدالله الثاني… هندسة الاستقرار في زمن التحولات

01-02-2026 10:32 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : تمارا ناصر الدين

في ذكرى ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لا نقف أمام مناسبة رمزية، بل أمام تجربة قيادية تستحق القراءة بوصفها نموذجًا في إدارة الدولة ضمن بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. فقيادة الأردن خلال ربع قرن لم تكن مجرد استمرار لمسارٍ قائم، بل إعادة صياغة متدرجة لعلاقة الدولة بذاتها وبمحيطها، على قاعدة الإصلاح الواعي والثبات على الثوابت.


منذ بدايات عهده، أدرك جلالته أن الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تُدار بالأدوات التقليدية وحدها، وأن الاستقرار لا يُصان بالقوة فقط، بل يُبنى عبر منظومة مؤسسات حديثة، شرعيتها مستمدة من القانون وثقة المواطنين. ومن هنا جاءت الأوراق النقاشية الملكية بوصفها محاولة لتأسيس عقد سياسي أكثر نضجًا، يعيد الاعتبار للمواطنة الفاعلة، ويعزز الحياة الحزبية، ويرسّخ مبدأ سيادة القانون باعتباره الإطار الناظم للعمل العام. وقد تطورت هذه الرؤية إلى منظومة تحديث سياسي واقتصادي وإداري متكاملة، نقلت الإصلاح من كونه استجابة ظرفية إلى كونه مسارًا استراتيجيًا طويل الأمد.


وفي المجال الاقتصادي، واجه الأردن أزمات متلاحقة: اضطرابات إقليمية، موجات لجوء كبرى، ضغوط مالية عالمية، وتداعيات جائحة غير مسبوقة. غير أن مقاربة جلالته لم تقم على إدارة الأزمة فحسب، بل على توسيع هامش الحركة للدولة عبر بناء شراكات استراتيجية، وتعزيز التكامل الإقليمي في الطاقة والنقل، والانخراط في مشاريع تعاون عابر للحدود، بما أعاد تعريف موقع الأردن من دولة محدودة الموارد إلى دولة ذات قيمة جيوسياسية واقتصادية متنامية.


أما في السياسة الخارجية، فقد رسّخ جلالة الملك دور الأردن كفاعل عقلاني في نظام دولي مضطرب. في الأمم المتحدة، وفي العواصم الكبرى، كان خطابه متماسكًا، قائمًا على الدفاع عن الحلول السياسية للنزاعات، وعن احترام القانون الدولي، وعن مركزية الاستقرار بوصفه مصلحة جماعية لا خيارًا تكتيكيًا. ولم يكن موقفه من القضية الفلسطينية موقف تضامن عابر، بل التزامًا ثابتًا بحل الدولتين، وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس باعتبارها مسؤولية تاريخية وسياسية وأخلاقية. لقد حافظ على الثوابت الوطنية دون انزلاق إلى شعارات، وعلى الانفتاح الدولي دون تفريط بالهوية.


وفي عالم تتصاعد فيه تحديات الأمن غير التقليدي، من الإرهاب إلى التغير المناخي، كان لجلالته حضور واضح في إعادة تعريف مفهوم الأمن، ليشمل الأمن الغذائي والمائي والمناخي، إدراكًا منه أن استقرار الدول لم يعد يُقاس بالحدود فقط، بل بقدرتها على مواجهة المخاطر العابرة للحدود بعدالة وتعاون دولي فعّال.


داخليًا، بقي الجيش العربي والأجهزة الأمنية ركيزة أساسية في فلسفة الدولة. دعم جلالته المستمر لتطوير قدراتها وتسليحها وتدريبها لم يكن إجراءً دفاعيًا فحسب، بل تأكيدًا على أن الاستقرار شرط سابق لأي تنمية. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة الأردن كجزيرة استقرار في محيط مضطرب، دون أن يتحول ذلك إلى انغلاق أو عزلة.


وفي سياق استشراف المستقبل، يتكامل هذا المسار مع دور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي يحمل راية التحول نحو الاقتصاد الرقمي، وتمكين الشباب، وتعزيز الابتكار والرياضة والعمل التطوعي، بما يعكس انتقالًا من إدارة الحاضر إلى هندسة المستقبل، واستمرارية نهج الدولة الحديثة عبر الأجيال.


ومع كل هذا الحضور الدولي والجهد الاستراتيجي، بقي جلالة الملك الأقرب إلى الأردنيين؛ حاضرًا بينهم، متابعًا لشؤونهم، مدركًا أن شرعية الدولة لا تُبنى فقط في المحافل الدولية، بل في ثقة المواطن اليومية بمؤسساته.


في ذكرى ميلاده، لا نحتفي بشخصية عامة فحسب، بل بقيادة أثبتت أن الحكمة السياسية يمكن أن تكون قوة ردع، وأن الإصلاح المتدرج يمكن أن يكون صمام أمان، وأن الثبات على الثوابت لا يتناقض مع الانفتاح على العالم. إن الثقة بجلالة الملك عبدالله الثاني ليست موقفًا عاطفيًا، بل قراءة موضوعية لمسار دولة استطاعت أن تحافظ على توازنها في زمن اختلال الموازين.


كل عام وجلالة الملك بخير، وكل عام والأردن، بقيادته، يمضي بثقة نحو مستقبلٍ أكثر رسوخًا ووعيًا وقدرةً على مواجهة التحولات.








طباعة
  • المشاهدات: 4305
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
01-02-2026 10:32 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم