م.صلاح طه عبيدات يكتب: في التيه العربي: حين يفقد الفعل ظله

منذ 3 شهور
المشاهدات : 6637
م.صلاح طه عبيدات يكتب: في التيه العربي: حين يفقد الفعل ظله
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

ليس أخطر ما يواجه الوجود العربي اليوم غياب القوة، بل غياب المعنى الذي يُنظّم القوة. فالقوة بلا معنى ضجيج، والمعنى بلا فعل حنين، وبينهما تتآكل الأمم ببطء لا يُرى بالعين المجردة.
التشرذم العربي ليس انقسام جغرافيا بقدر ما هو انقسام في الوعي. لم نعد نختلف على الطريق، بل على فكرة الطريق ذاتها. تكسّرت البوصلة، فصار كل اتجاه ممكنًا، وكل اتجاه مبررًا، وكل تراجع قابلًا للتأويل. حين تتعدد الاتجاهات بلا مركز، لا يكون ذلك تنوعًا، بل فقدانًا للثقل.
في الأزمنة المؤسسة، كانت للأمم مراكز ثقل تُشبه القلب: قد يضعف، لكنه يضخ المعنى في الأطراف. اليوم، تشوّهت مراكز الثقل العربية؛ لم تختفِ، لكنها فقدت وظيفتها الرمزية. لم تعد مرجعًا، بل نقاط جذب مؤقتة، تتبدل بحسب الريح، لا بحسب التاريخ.
وهكذا انزلق الفعل العربي من موقع المبادرة إلى موقع الاستجابة، ومن صناعة الحدث إلى تفسيره. صرنا نعيش في زمن اللاحق لا السابق؛ نأتي بعد القرار، بعد الخريطة، بعد الاتفاق. نحلل ما حدث، لا ما يجب أن يحدث. ومع الزمن، يتحول ردّ الفعل إلى عادة، والعادة إلى قدر.
حين يغيب الفعل، يبحث الوجود عن مركز يدور حوله. لا لأن هذا المركز أحق، بل لأن الفراغ لا يُحتمل. وهنا يصبح الدوران في فلك الآخر شكلًا من أشكال الطمأنينة الزائفة: طالما هناك من يقرر، فنحن معفون من عناء الرؤية. طالما هناك من يقود، لسنا مضطرين لمعرفة الطريق.
لكن أخطر أشكال التبعية ليست السياسية، بل الوجودية. أن يتقلص الخيال الجمعي، وأن يصبح المستقبل فكرة مستعارة، لا مشروعًا مُنتجًا. أن نفكر بأنفسنا كهوامش في نص يكتبه غيرنا، لا كمؤلفين لصفحتنا الخاصة.
الضعف الحقيقي لا يظهر في الهزيمة، بل في فردنة الرؤية. حين تفكر الأجزاء خارج فكرة الكل، لا يعود الكل ممكنًا. وحين تُختزل الاستراتيجية في حسابات فردية قصيرة النفس، يفقد الزمن عمقه، ويُستبدل الأفق بالنجاة اللحظية. هنا لا يعود السؤال: كيف ننتصر؟ بل: كيف نؤجل الخسارة؟
في هذا السياق، يتحول الخطاب إلى تعويض رمزي عن غياب الفعل. نكثر من الكلمات لأن الواقع لا يستجيب، ونغرق في التحليل لأن القرار مؤجل، ونرفع سقف اللغة لأن الأرض منخفضة تحت أقدامنا. هكذا يصبح الوعي ذاته مأزقًا: يعرف كثيرًا، ويُنجز قليلًا.
التاريخ لا يعاقب الأمم على أخطائها، بل على توقفها عن المحاولة. على لحظة اقتناعها بأن العالم أكبر منها، وأن دورها الطبيعي هو التكيف لا التأثير، والتفسير لا المبادرة.
الخروج من التيه لا يكون باستعادة الماضي، بل باستعادة السؤال المؤسس:
من نريد أن نكون؟
لا ردًا على أحد، ولا خوفًا من أحد، بل وفاءً لوجود يستحق أن يكون فاعلًا لا تابعًا.
فإما أن نستعيد الفعل، بكل مخاطره،
أو نستمر في حياة بلا ظل…
حيث تمشي الكلمات أمامنا، ولا تلحقها الأقدام.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم