28-01-2026 04:55 PM
بقلم : أمين محمد غوانمه
في كثير من الأسر حول العالم، تتشكل فجوة غير مرئية ولكنها مؤثرة بين جيل الآباء وجيل الأبناء، تُعرف بفجوة الثقة بين الأجيال. يشعر عدد كبير من الآباء بأن أبناءهم غير مستعدين لمواجهة تحديات الحياة المعاصرة، وأنهم يفتقرون إلى الصلابة والقدرة على التحمّل واتخاذ القرار مقارنة بما كان عليه الآباء أنفسهم في العمر ذاته. في المقابل، تشير الأبحاث الحديثة في علم النفس التنموي وعلم الاجتماع إلى أن هذه النظرة قد تكون نتاج سوء فهم بين الأجيال أكثر من كونها تعبيرًا دقيقًا عن واقع قدرات الشباب اليوم.
تنشأ فجوة الثقة هذه من اختلاف التصورات حول معنى النضج والاستقلالية والاستعداد للحياة. فالآباء يميلون إلى تقييم جاهزية أبنائهم انطلاقًا من تجاربهم الشخصية في مرحلة الشباب، وغالبًا ما تتم هذه المقارنة بصورة غير واعية ومشحونة بالحنين إلى الماضي. ومع مرور الزمن، تميل الذاكرة الإنسانية إلى تبسيط التجارب السابقة وتجميلها، فيتذكر الآباء أنفسهم أكثر استقلالًا وأقوى قدرة على التحمّل مما كانوا عليه فعليًا، متناسين شبكات الدعم الاجتماعي والأسري التي كانت تحيط بهم آنذاك.
كما أن التغيرات الاجتماعية والثقافية السريعة تلعب دورًا محوريًا في تعميق هذه الفجوة. فالعالم الذي ينشأ فيه الأبناء اليوم يختلف جذريًا عن العالم الذي نشأ فيه آباؤهم. التحولات التكنولوجية المتسارعة، وضغوط الاقتصاد العالمي، وتغير أنماط العمل والتعليم، إضافة إلى التحديات النفسية والاجتماعية الجديدة، كلها عوامل أعادت تعريف المهارات اللازمة للنجاح والاستقرار. ومع ذلك، قد يفسّر بعض الآباء هذه التغيرات على أنها ضعف في شخصية الأبناء، بدلًا من كونها انعكاسًا لطبيعة العصر وتعقيداته.
ويُضاف إلى ذلك أن القلق الأبوي غالبًا ما يكون تعبيرًا عن الحب والرغبة في الحماية أكثر من كونه نقصًا في الثقة. فالآباء يسعون بطبيعتهم إلى تجنيب أبنائهم الألم والفشل، إلا أن هذا الحرص قد يتحول أحيانًا إلى شك دائم في قدرة الأبناء على المواجهة، مما يحدّ من فرصهم لاكتساب الخبرة والاستقلالية. ومع تكرار الرسائل الضمنية التي توحي بعدم الجاهزية، قد يبدأ الأبناء أنفسهم في تبني هذه الصورة عن ذواتهم، مما يؤثر سلبًا على ثقتهم بأنفسهم.
من منظور علمي، تُظهر الدراسات الحديثة أن الجاهزية لمواجهة الحياة ليست سمة ثابتة يولد بها الإنسان، بل هي عملية تتشكل عبر الزمن من خلال التجربة، والدعم الأسري، والتفاعل الاجتماعي. كما تؤكد الأبحاث المتعلقة بالمرونة النفسية أن كثيرًا من الأطفال والشباب قادرون على التكيّف مع الضغوط والتحديات، حتى في ظل ظروف صعبة، إذا توفرت لهم بيئة داعمة تسمح بالتجربة والخطأ والتعلم الذاتي. وعليه، فإن التصورات السائدة عن هشاشة الجيل الجديد لا تعكس بالضرورة واقع قدراتهم الفعلية.
تلعب العلاقة بين الوالدين والأبناء دورًا أساسيًا في بناء الثقة المتبادلة. فكلما اتسمت هذه العلاقة بالأمان العاطفي والتواصل المفتوح، زادت قدرة الأبناء على تطوير مفهوم واضح عن ذواتهم، وعلى الإحساس بالكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار. وفي المقابل، فإن العلاقات التي يغلب عليها الشك والسيطرة المفرطة قد تُضعف هذا الإحساس، حتى وإن كانت النوايا حسنة.
كما أن الثقة بين الأجيال ليست طريقًا ذا اتجاه واحد، بل هي عملية تبادلية. فثقة الآباء بأبنائهم تعزز شعور الأبناء بالمسؤولية، وثقة الأبناء بأنفسهم تدعم اطمئنان الآباء. وعندما تُمنح الفرصة للشباب لتحمّل مسؤوليات تدريجية تتناسب مع مراحلهم العمرية، فإن ذلك يسهم في بناء الكفاءة الذاتية ويقلل من الفجوة الإدراكية بين الجيلين.
إن تجاوز فجوة الثقة يتطلب إعادة نظر في مفهوم الجاهزية ذاته. فبدلًا من قياسها بمعايير الماضي، ينبغي تقييمها في ضوء متطلبات الحاضر والمستقبل. كما يتطلب الأمر حوارًا صريحًا بين الآباء والأبناء حول المخاوف والتوقعات، والاستماع المتبادل دون أحكام مسبقة. فالحوار لا يقرّب وجهات النظر فحسب، بل يكشف أيضًا عن مساحات مشتركة من القيم والطموحات.
ومن المهم أن يدرك الآباء أن السماح للأبناء بخوض التجارب وتحمل نتائج قراراتهم، ضمن حدود آمنة، هو جزء أساسي من عملية النمو. فالخبرة لا تُكتسب بالحماية المطلقة، بل بالتفاعل مع الواقع، وتعلّم كيفية التعامل مع النجاح والإخفاق على حد سواء. إن منح الثقة لا يعني التخلي عن الدور التربوي، بل إعادة صياغته ليكون داعمًا وممكّنًا بدلًا من أن يكون مقيدًا.
في الختام، يمكن القول إن فجوة الثقة بين الأجيال ظاهرة إنسانية طبيعية تتكرر مع تعاقب العصور، لكنها في عصرنا الحالي أصبحت أكثر وضوحًا بفعل سرعة التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية. غير أن الأدلة العلمية تشير بوضوح إلى أن شباب اليوم لا يفتقرون إلى القدرة، بل يواجهون تحديات مختلفة تتطلب مهارات جديدة وأساليب دعم مغايرة. ومن خلال الفهم العميق لهذه التحولات، وبناء علاقات قائمة على الثقة المتبادلة، يمكن للأسرة أن تكون مساحة آمنة لنمو الأفراد، وجسرًا يربط بين حكمة الماضي ومتطلبات المستقبل.
أمين محمد غوانمه
ghawanmehameen@gmail.com
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
28-01-2026 04:55 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||