27-01-2026 08:01 AM
بقلم : الكاتب الساخر وليد معابرة
- قاتل البحر الميت - أما قبل؛ فإِنَّه يبدو لي أَنَّ علاقتنا مع التاريخ الموروث أَشبه ما تكون بعلاقة معظم الناس مع المطربة الشهيرة "فيروز"! فهي علاقة حبٍّ عاطفي غامض! وعلاقة حبٍّ بلا مراجعة، وحبٍّ بلا تفحُّص، وحبٍّ بلا سؤالٍ عن المعنى أو السياق! فمظم الناس يسمعونها نُغنِّي صباحاً ومساءً، فيتمايلون طرباً، ويتباكُون شجناً، ليخرجوا إِلينا من المشهد كما دخلوه قبل الاستماع؛ لا قيمة ثقافيَّة مضافة! ولا فكر يُدَّخَر إلى وقتِ حاجته!
لا شكَّ أَنَّ المطربة "فيروز" تتمتَّع بصوتٍ لا مثيل له، بل إِنَّها قد تصل إلى أن تكون ظاهرة صوتيَّة فريدة تستحق البحث والدراسة؛ وهذا لا يختلف عليه اثنان يعرفان أَبجديَّات الفنون وتذوُّق الأَصوات والأَلحان؛ لكنَّها في الوجه المقابل؛ غنَّت أَكثر من أَلف وخمسمئة أُغنية، لم يَعِشْ في ذاكرة الجماهير منها سوى أقلّ من مئة أُغنية، وهذه الإِحصائيَّة تُعَدُّ بمنزلة القيمة الشاذَّة رياضيَّاً نسبة لمجموع الأغنيات المسجَّلة والمذاعة للمطربة؛ فإِذا قمت بإجراء عمليَّة حسابيَّة بسيطة؛ فإِنَّك ستدرك أنَّ نسبة الأُغنيات الشائعة لا تتجاوز الثمانية بالمئة من مجموع أَعمالها.
في الحقيقة؛ لن تجد أحداً من الناس يمتلك الجرأة الكافية والحجَّة الواهية للإعلان عن تلك الإِحصائيَّة؛ لأَنَّ "الأُسطورة في ثقافتنا لا يجوز المساس بها أو نقدها نقداً رياضيَّاً منصفاً"! فإِذا تجرَّأْتَ على وضع كلِّ أُغنيات المطربة "فيروز" –مجازاً- على طاولة الحسابات الباردة، فإنَّها ستنفجر في وجهك "جوقةٌ من العشَّاق"، وكأَنَّك ارتكبتَ جريمةً بحقّ إِلههم المعبود، مع إِنَّ ذلك المقياس مشروعٌ في مجال البحث العلمي؛ وقد يندرج تحت مفهوم "مجتمع الدراسة"، أو "مجال الدراسة".
وأما بعد؛ فإِنَّ ما يحدث مع أُغنيات المطربة "فيروز"؛ هو ذاته الذي يحدث مع أَحداث تاريخنا المجيد! فنحن نمتلك مئات الآلاف من الصفحات والمجلَّدات والمصنَّفات؛ لكن ما نعيشه فعليَّاً هو حصيلة لرواياتٍ كثيرة مشكوكٌ في صِدقها، وأَخبارٍ متنازعٍ حولها، وقصصٍ نُقلت إِلينا كما تُنقل الحكايات الشعبيَّة في جلسات "الهجيني" القديمة! ومع ذلك؛ إذا شككتَ في واحدةٍ منها، أو تجرأت أن تقول شيئاً بحقِّها، أو أن تصفها بالمبالغة و"السيرياليَّة"؛ فإِنَّ القيامة ستقوم في وجهك، وستجد نفس "الجوقة" التي عشقت التراث من دون أن تقرأه؛ يُزمجرون ويدافعون ويندفعون إليك بشراسة؛ مطلقين اتهاماتهم بِأَنَّك لم تنتقد إِلا من أَجل شتم الأَجداد والنَّيل من حضارتهم! في حين أنَّهم يعلمون جيداً أن (ناقلي) تلك الروايات لم ينقِّبوا حقَّ التنقيب! ولم يحقِّقوا حقَّ التحقيق العقلاني! ولم يفتشوا بين الغبار الذي يُغطي المخطوطات الأَصيلة التي تعكس حضارات الأُمم وتبني أَنماط تفكيرهم لتُدرِجَهُم ضمن قوائم الأُمم المتحضرة عقليَّاً وفلسفيَّاً! تماماً كما لم يسمع أَحدهم بكلِّ أغنيات المطربة فيروز؛ لكنَّه يصرخ في وجهك إذا مسستها بنقدٍ علميٍّ منصف، أو بانتقاد عمليٍّ موثَّق.
للأسف الشديد؛ إِنَّ التاريخ عندنا ليس مادةً للبحث والدراسة، بل هو مادةٌ للزينة والتغنِّي بالأَمجاد! نعلّقه على صدورنا مثل وسامٍ بلا قيمة، أو نضعه على رفِّ مكتبةٍ فارهة، مغلَّفاً بالجلد الفاخر، ثم لا نكلِّفُ أَنفسنا بفتح صفحاته والاطلاع على أحداثه! نحن نعامل كتب التاريخ تماماً كما نعامل صور الحفلات الشعبيَّة في أَعراس القرويين؛ نعلِّقها على الجدار، ونكتفي بابتسامة مصطنعة، من دون أن نتساءل عن الأَحداث التي جرت بعد مرور الاحتفال، وعن الطلاق الذي وقع بين العروسين.
ولأَنَّنا شعوبٌ مدمنة على التقديس، صرنا نخشى النقد كما يخشى العابد سقوط صنَمِه!
فإذا تجرأْتَ على قولك بأنَّ هذه الرواية التاريخيَّة لا تصمد أَمام العقل، فأنت خائن!
وإذا قلت: إِنَّ هذا البطل المزعوم ربما كان طاغية؛ فأَنت مأْجور ولديك "أَجندات" خارجيَّة!
وإذا همست في أذُنِ صديقك، وقلت له بِأنَّ هذا التراث فيه أَساطير أكثر مما فيه حقائق؛ فأَنت زنديق وعِربيد!
إِنَّ الغريب أمرنا أنّنا -في حياتنا اليوميَّة- لا نحتكِم إلى التاريخ المقدَّس إذا لم يخدم مصالحنا! فلو دخل أَحد الناس إلى "سوبر ماركت" ووجد أنَّ الميزان ناقص خمسة غرامات؛ فإِنَّه سيقيم الدنيا ولن يقعدها، وستراه يحدِّث التاجر عن أَنَّ الغشَّ حرام، وسيخاطبه باشمئزاز! متَّهماً ضميره بخيانة الإنسانيَّة وأَنَّه قد تواطأَ مع البشريَّة منذ أن بدأَ تجارته! لكن حين يتعلَّق الأَمر بتاريخٍ كاملٍ جلَّ أحداثه تتمحور حول الأَكاذيب والاختلاقات والمبالغات، فإِنَّ الناس مستعدُّون للتغاضي عنها باسم "الموروث"! لأَنَّنا في حقيقتنا نعتبر الميزان الذي نزِنُ به كيلو السكر، أو كيلو الخبز؛ أَدقُّ وأقرب إلى مصالحنا من الميزان الذي نزِنُ به حضارتنا وموروثنا!
إِنَّه من الطريف في حياتنا أَيضاً أنّنا نكرِّر مقولة "التاريخ يُعيد نفسه"، وكأَنَّها حكمة منزَّلة! والحقيقة التي لا تخفي نفسها أَنَّ التاريخ لا يُعيد نفسه، بل نحن الذين نُعيد غباءنا، ونكرِّر أَخطاءنا؛ لنلُومَ الأَيام على قسوتها! فالتاريخ كتابٌ مفتوح؛ لكنَّنا نصرُّ على قراءته بعينٍ واحدة! ونصف عقل! ثم نختم جميع ما قرأناه من أحداث بختمِنا الخشبيِّ المقدَّس الذي يمنح الشرعيَّة ويمدُّها بعمرٍ افتراضيٍّ جديد.
أخيراً؛ لا أٌنكر أَنَّني من عشاق صوت المطربة "فيروز"، رغم ركاكة كثيرٍ من كلمات أَغانيها! كما إَِنَّني من عشاق القراءة والاطلاع على كتب التراث، رغم امتلائها بالأَساطير والعجائب! لكنَّ الفارق الذي يفرض نفسه؛ أَنَّني أسمح لعقلي أن يسأل: لماذا أَعجبتني هذه الأُغنية؟ ولماذا أضحكتني هذه الحكاية؟ أَمَّا أكثر الناس؛ فلا يلقون بالاً لتلك التساؤلات، بل يكتفون بهزِّ رؤوسهم بالقبول ثم الرقص على إيقاع الطرب، أو التلذُّذ بسجع السرد، من غير أن يتجرَّأَ أحدهم على مساءلة المضمون؛ لأَنَّ معظم الناس يحبُّون أَن يُخدعوا، وأن يعيشوا طقوس الخطيئة التي تمنحهم دفئاً وهميَّاً، كما تمنحهم الأُغنية الوهم الذي يشعرهم بأَنَّهم لم يزالوا على قيد الأَحلام.
بهذا المنطق، صار تراثنا حديقةً مليئةً بالتماثيل الحجريَّة! لا أَحد يعرف من صنعها ولا متى صنعت، لكنَّ الجميع ينحني أمامها بخشوع! وإذا اقتربتَ منها بفأْس النقد؛ اجتمعوا عليك صارخين بك؛ ليتهمونك بِأَنَّك تهدم هويَّتهم! وكأَنَّ الهويَّة كتابٌ لا يُبنَ إلا من وهم وأَساطير.
خلاصة القول: إذا لم نَكُفّ عن الغناء التاريخي بحقِّ الموروث، وإذا لم نبدأ في كتابة التاريخ من جديد؛ فإِنَّنا سنكون خير أُمةٍ أَخرجت نفسها من قطار الحضارة، وجلَست كي تتسوَّل المعرفة على رصيف وطنها البديل! فنامت حتى طمسها الغبار، وحين استفاقت؛ وجدت نفسها حاشيةً في كتبِ المتحضِّرين، يُشير متنُها إلى أُمةٍ انشغلت بتمايلها طرباً على روايات عاطفيَّة مليئة بالفنتازيا التاريخيَّة التي حالَت بيننا وبين المنطق، فخلقت أَنماطاً من التفكير الساذج الذي سيجعلنا نُلَوِّح بأَوراقٍ صفراء وملوَّنة، نخاف أَن يقترب منها عقلٌ ناقد فيحوِّلها إلى رمادٍ مندثر، وسنرتجف قهراً كلَّما اقترب قومٌ قارئون من دفاترنا العتيقة! ليكتشفوا أَنَّها مليئةٌ بأناشيد طربيَّة تُدار على أُسطوانات مشروخة لا ينبغي الاستماع إليها، لأَنَّها نسفت فكر المجتمعات الحقيقيَّة والتراث الأصيل الذي أَسسته أُمةٌ عريقة لم تخشى يوماً من أن تضع تاريخها في الميزان.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
27-01-2026 08:01 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||