25-01-2026 03:54 PM
بقلم : العميد الركن حكمت نواش القاضي
التوجيه الملكي السامي الأخير الموجه إلى القوات المسلحة الأردنية لم يكن اقتراحًا ولا توصيات قابلة للنقاش او التأخير، بل كان توجيهًا استراتيجيًا حاسمًا. وأي محاولة لقراءته بوصفه خطابًا معنويًا عامًا فهذا إما سوء فهم خطير، أو تهرّب من استحقاقات مؤجلة.
السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى تحديث العقيدة العسكرية؟
بل: من يملك الجرأة على تحمّل كلفة التحديث؟ ومن يفضّل كلفة التأخير؟
العالم لم يعد ينتظر الجيوش الثقيلة كي تتحرك فحروب الجيل الحديث لا تُعلن، لا تُخاض على الجبهات، ولا تُحسم بالدروع. بل تُدار بصمت، وتُكسب بالعقل، وتُخسر بالتأخير. وفي هذا المشهد، يصبح التمسك بالعقائد الكلاسيكية ضربًا من التخدير ليس اكثر .
توجيه جلالة الملك واضح وضوح الشمس حيث تطرق الى الردع الاستراتيجي، والعمليات غير التقليدية، والجاهزية العالية والمنتقاة بعناية وعلى كل المستويات والصنوف وبأدق التفاصيل. هذه ليست مجرد مفردات إنشائية بل إنها إعلان هجرة لمنطق عسكري تقليدي لا يتماشى مع معطيات الحرب الحديثة ونوع التهديد حيث ما زال البعض يتعامل معه على اساس عدم الدخول في كل ما هو جديد ويجاري الأحداث والمعطيات الجديدة
( على مبدأ عدم التغيير ) . وهنا مكمن المعضلة .
التهديدات المحيطة بالأردن في هذا الإقليم المضطرب ليست نظرية ولا تحتمل التأجيل. إقليم متقلب يزخر بكل الاخطار ، حدود طويلة وما خلفها عدو غامض تحكمه ايديولوجيات عجيبة وغريبة على الحضارة ، حرب سيبرانية، واستهداف مباشر للاقتصاد والبنى التحتية ومراكز الثقل ناهيم على انها تهديد صارخ للوعي العام. في مواجهة ذلك فالردع لم يعد بعدد الأفراد، بل بقدرة الدولة على إيقاع الخسارة القصوى بالخصم أينما كان بسرعة ودقة ومن حيث لا يتوقع.
وهنا يجب طرح السؤال المحرج الذي يتجنبه كثيرون:
هل ما زالت مقارنة وتقييم القوة العسكرية قائمًة على عدد الوحدات ؟
هل ما زال الإنفاق على القدرات التقليدية أكثر من القدرات الذكية؟
وهل ما زالت العمليات السيبرانية تُعتبر شيء ثانوي لا كوسيلة ردع رئيسية؟
رؤية جلالة الملك واضحة جلية وحاسمة ، يتبقى الآن الجرأة في التخطيط والتنفيذ ضمن خارطة طريق مفصلة ومحددة المعالم والتوقيتات آخذين بعين الاعتبار كافة المعيقات .
أما الصناعات الدفاعية وفي مقدمتها المركز الأردني للتصميم والتطوير، فيجب ان يطلق العنان ويسبر غور الإبداع في كل ما هو جديد ومتطور مبتعدين عن التقليد مركزين على كل ما يخدم هذا التوجيه السامي .... فالسؤال هنا سيادي بامتياز نريده ركيزة اساسية من اجل استقلال قرار التسليح.
فمن لا يملك أدواته وعنده القدرة على صناعتها … يُستَخدم بأدوات غيره.
المسألة لم تعد تقنية ولا عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز فتحديث العقيدة العسكرية يعني مراجعة شاملة وإعادة توزيع موارد، ونفوذ، وأدوار، وكسر مسلّمات وروتين كان يصلح ذات يوم لكنه الان أصبح من الماضي الذي لا يجاري الحاضر في شيء... فاي تأخير سيدفع ثمنه مستقبلا لا قدر الله .
الأمن الوطني لا ينتظر اكتمال التوافقات، ولا يمنح فترات سماح. الدول لا تُفاجأ بالحروب، بل تُفاجأ فقط بمدى عدم جاهزيتها. والتاريخ لا يرحم من اختار السلامة الإدارية على حساب المخاطرة الاستراتيجية.
الأردن اليوم بحاجة الى جيش رشيق، ذكي، قادر على الردع قبل الاستنزاف.
العميد الركن المتقاعد
حكمت نواش القاضي
باحث في الشؤون والدراسات الاستراتيجية والأمنية.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
25-01-2026 03:54 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||