حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,25 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6667

امل خضر تكتب: الصبر الأردني بين الحكمة والإنهاك

امل خضر تكتب: الصبر الأردني بين الحكمة والإنهاك

  امل خضر تكتب: الصبر الأردني بين الحكمة والإنهاك

25-01-2026 08:44 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : أمل خضر
يقف الأردن اليوم أمام مفترقٍ لا تُجدي فيه العناوين وحدها، ولا تكفي فيه النوايا الحسنة لتفسير المشهد. فما نعيشه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ليس عابرًا، ولا يمكن اختزاله بلحظة ضغط أو ظرف طارئ، بل هو تراكم طويل اختبر صلابة الدولة، وعمق وعي المجتمع، وحدود الصبر لدى المواطن الذي اختار، مرارًا، أن يكون حارس الاستقرار لا وقود الاحتجاج.

هذا المواطن يدرك، بحسه السياسي المتقدم، أن دولته محاطة بإقليم مضطرب، وأن النجاة من الحرائق المشتعلة حولها لم تكن ضربة حظ، بل ثمرة نهج دولة تقودها قيادة تعرف معنى التوازن في زمن الاختلال. ويعرف أن حضور الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في الإقليم والعالم لم يكن يومًا شكليًا، بل كان صمام أمان لبلدٍ صغير بحجمه، كبير بثوابته. غير أن هذا الوعي، على عمقه، لم يعد كافيًا لتبديد شعور متنامٍ بأن المسافة تتسع بين الرؤية العليا، وبين الأداء التنفيذي الذي لم ينجح بعد في ترجمة تلك الرؤية إلى واقع ملموس يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
فالسياسة، حين تنفصل عن الناس، تفقد معناها. وحين تتكرر الأدوات ذاتها، وتُعاد الوجوه نفسها، وتتبدل الخطابات دون أن تتبدل النتائج، يبدأ الشارع بطرح أسئلته الثقيلة بهدوءٍ أكثر إيلامًا من الغضب. إصلاحٌ يتحدث عنه الجميع، لكن إيقاعه أبطأ من نبض مجتمع شاب، متعلم، واسع الاطلاع، لم يعد يقبل أن يُدار بمنطق الوصاية أو أن يُطلب منه الصبر بوصفه سياسة عامة.
وعلى الضفة الاقتصادية، تتكثف القصة وتشتد. فالأردني الذي تحمّل موجات الغلاء، ورضخ للضرائب، وأعاد ترتيب حياته على مقاس دخلٍ يتآكل، لم يفعل ذلك ضعفًا، بل انحيازًا للدولة في أصعب لحظاتها. إلا أن هذا الانحياز بات مثقلًا بسؤال العدالة لماذا تتوزع الأعباءبغيرتوازن؟ ولماذا تبقى الطبقة الوسطى هدفًا سهلًا لكل حلولٍ سريعة، فيما تتأخر الإصلاحات البنيوية التي تمس جوهر الخلل؟ هنا، لا تعود الأرقام لغةً مقنعة، لأن البطالة ليست نسبة، بل شبابًا على أبواب الانتظار، والفقر ليس توصيفًا اقتصاديًا، بل بيوتًا تعيش على حافة القلق الدائم.
وبرغم ذلك كله، يظل المجتمع الأردني متماسكًا على نحو يثير الدهشة. قوة صامتة لا تُستعرض، لكنها حاضرة. مجتمعٌ صاغته ثقافة الدولة، وحمته قيم الاعتدال، وحفظته هوية وطنية لم تُبنَ على الصخب، بل على الإيمان العميق بالأرض والقيادة والمصير المشترك. غير أن هذا التماسك ليس قدرًا أبديًا، بل حالة تحتاج إلى رعاية. فالصبر، حين يطول بلا أفق، يتحول من فضيلة إلى عبء، ومن وعيٍ مسؤول إلى تساؤل مشروع.
وهنا تتجه البوصلة إلى منطقة أكثر حساسية منطقة الثقة. فالأردني لم يسحب ثقته من وطنه، ولا من قيادته، لكنه بدأ يراجع ثقته بالمسار التنفيذي، وبالأدوات الوسيطة التي يُفترض أن تكون صوته في القرار، وفي مقدمتها مجلس النواب، والحكومات المتعاقبة التي لم تنجح بعد في بناء علاقة قائمة على الشراكة والشفافية والمساءلة الحقيقية. وحين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، وأن معاناته تُسمع ولا تُترجم، يبدأ الصمت بأخذ شكل الاحتجاج الهادئ، الأخطر في تأثيره.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الأردن اليوم ليس عن قدرته على الصمود، فقد أثبت ذلك مرارًا، بل عن كلفة الاستمرار بالاعتماد على صبر الناس بوصفه خط الدفاع الأول والأخير. إلى متى يُطلب من المواطن أن يفهم أكثر مما يُفهم، وأن يتحمل أكثر مما يُحتمل، وأن يثق دون أن يرى نتائج ملموسة تعيد الاعتبار لفكرة العدالة وتكافؤ الفرص؟
الطرح الجريء لا يعني التقليل من شأن الدولة، بل الانحياز لها في لحظة صدق. ويعني الاعتراف بأن قوة الأردن الحقيقية لا تكمن فقط في سياسته الخارجية ولا في حضوره الدبلوماسي، بل في شعبه الذي ما زال، رغم كل شيء، يقف خلف وطنه. غير أن هذا الشعب يستحق أن يكون شريكًا في القرار، لا مجرد مخزون صبر يُستدعى عند الأزمات.فالأوطان لا تُدار على أعصاب الناس إلى ما لا نهاية، ولا يُحمى الاستقرار بالخطاب وحده. ما يحميه فعلٌ عادل، وإصلاحٌ جاد، ورسالة واضحة تقول للمواطن إن صبره مفهوم، ومقدر، ومترجم إلى سياسات. وقبل أن يتحول السؤال الهادئ إلى وجعٍ أعلى صوتًا، تبقى الفرصة قائمة لالتقاط الرسالة، والإجابة عنها بالفعل لا بالانتظار.











طباعة
  • المشاهدات: 6667
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
25-01-2026 08:44 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم