24-01-2026 02:29 PM
بقلم : د. عُريب هاني المومني
لم يَعُد العمل في العصرِ الرقميّ مسألة اتفاقٍ مُباشرٍ بين عاملٍ وصاحبِ عمل، بل أصبحَ في كثيرٍ من الحالات علاقة غير مرئيّة تحكمها أنظمةٌ رقميّة وخوارزميّات ذكيّة. فالعاملُ الذي يعتمدُ على هذه المنصّات لا يتلقّى تعليماته من مديرٍ بشريّ، بل يخضعُ لإدارةٍ رقميّة غير مرئيّة تُحدّد متى يعمل، وكيف يعمل، وكم يكسب، ومن دون قرارات مكتوبةٍ أو أوامرَ مباشرة، ولكن بآثار ملموسةٍ على الدخل والاستقرار المهنيّ.
في اقتصاد المنصّات، لا يوجد مكتب موارد بشريّة، ولا مدير يُمكن مراجعته، ولا حتى عقدُ عملٍ واضح الأحكام. كما يغيبُ مفهوم الراتب أو الأجر الثابت، ويحلّ محلّه دخلٌ متغيّر يتشكّل من: عدد المهام المُنجزة، وقيمة كلّ مهمّة، والحوافز المرتبطة بالأداءِ والتوقيت. هذه العناصرُ جميعها تُدار خوارزميّاً، ممّا يمنح المنصّة قدرةً فعليّة على التأثير في دخل العامل دون إعلانٍ صريح عن تخفيض الأجر. فقد يُلاحظ العاملُ -مع مرور الوقت- أنّ دخله الشهريّ يتراجعُ على الرغم من التزامه بساعات العملِ نفسها، ودون أن يتلقّى تفسيراً واضحاً لهذا التراجع.
فعمليّة خفض الدخل تتمّ بوسائل غيرَ مباشرة يصعُب رصدها. فالخوارزميّة تتحكّم في توزيع الطلبات، وقد تُقلّل من عددٍ الفرص المعروضةِ على العامل أو تقيّده بمهام أقل ربحاً إذا صنّفته ضمن فئةِ أداءٍ أدنى، استناداً لمعايير داخليّة غير مُعلنة. كما يُمكن للمنصّة تعديلُ أنظمة الحوافز بهدوء، من خلال رفعِ عدد المهام المطلوبة للحصولِ على مكافأة، أو تقليل قيمتها، أو تغيير توقيت ما يُعرف بساعات الذروة. إضافةً إلى ذلك، تلعبُ التقييمات دوراً اقتصاديّاً حاسماً؛ إذ إنّ انخفاض التقييم -حتى لو كان نتيجةَ ظرفٍ عابر أو تقييم غير مُنصفٍ من أحد المستخدمين- قد يحرمُ العامل من الطلبات الأعلى أجراً أو من العروض الخاصّة، وهذا يُؤدّي على أرض الواقع إلى تقليصِ دخله دون أيّ إجراءٍ رسميّ.
إنّ الإشكاليّةَ الأساسيّة لا تكمنُ في تقلّب الدخل وحده، بل في غياب الشفافيّة والمساءلة. فالخوارزميّة التي تتّخذ هذه القرارات لا تَشرح أسبابها، ولا تُتيح للعامل فهماً واضحاً لما جرى، ولا تُوفّر مساراً واضحاً للطعن أو آليّة فعّالة للاعتراض، وفي كثيرٍ من الحالات، تُحال الشكاوى إلى ردودٍ آليّة عامّة لا تُعالج جوهر المشكلة.
في العالم الرقميّ، لا يُقاس العمل فقط بالجهد، بل بالبيانات. كلّ حركةٍ، وكلّ دقيقة انتظار، وكلّ تفاعل مع الزبائن، تُسجَّل وتُحلَّل. ومع مرور الوقت، يُصبح العامل مجموعةَ مؤشرات رقميّة تُقارن بغيره، ويُتّخذ على أساسها قرار بشأن قيمته الاقتصاديّة.
هذا المنطقُ يتجاهلُ البعد الإنسانيّ والناحية الحقوقيّة للحقّ في العمل، إذ إنّه يُثير إشكاليّات تتعلّقُ بالعدالةِ الإجرائيّة والحقُّ في أجرٍ عادل. فالعمل، ليسَ مُجرّد نشاطٍ اقتصاديّ، بل وسيلةٌ للعيش الكريم والاستقرار الاجتماعيّ، وعندما يُختزل إلى أرقام، يُصبح العامل قابلاً للاستبدالِ بسهولةٍ، دون مراعاةٍ لحقوقه أو ظروفه.
على مستوى الأطر التشريعيّة الإقليميّة، لا تزال التشريعات عاجزة عن مواكبة هذا التحوّل. فمعظمُ العاملين في المنصّات يُصنّفون كعاملين مستقلّين، على الرغم من خضوعهم لسيطرة رقميّة صارمة، ممّا يحرمهم من الحماية القانونيّة الأساسيّة ويتركهم في فراغ تشريعيّ. هذا الفراغ يترك العامل في مواجهةِ الخوارزميّة وحده، دون ضمانات واضحة أو جهةٍ يُمكن مساءلتها.
العملُ الرقميّ ليسَ مشكلة بحدّ ذاته، إلّا أنّ تركه دون تنظيم يحوّل الخوارزميّة إلى صاحبِ عملٍ غير مرئيّ بلا التزامات واضحة. والتحدّي اليوم ليس تقنيّاً فقط، بل حقوقيّاً. والسؤال الجوهريّ: كيف نضمنُ أن يبقى العملُ في العصر الرقميّ عملاً يحفظُ كرامةَ الإنسان، لا مُجرّدَ تفاعلٍ بين تطبيقٍ ومجموعةِ بيانات.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
24-01-2026 02:29 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||