21-01-2026 11:14 AM
بقلم : صائب عارف
لم يعد الحديث عن السلام في عالم اليوم سوى ترفٍ لغوي، يُستدعى في الخطب الرسمية ويغيب عن ميادين القرار. فالمشهد الدولي، كما يبدو، لا يشي بقرب نهايات للصراعات، بل يؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة تُدار فيها الأزمات بلا نية حقيقية لحلّها، وتُدار الحروب باعتبارها أدوات سياسية واقتصادية، لا كوارث إنسانية.
الحروب لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا من النظام العالمي نفسه. تتغير الجبهات، تختلف المسميات، لكن القاعدة واحدة: القوة تسبق القانون، والمصلحة تعلو على العدالة. في هذا السياق، يبدو السلام وكأنه فقد شروط وجوده، لا لأنه مستحيل بطبيعته، بل لأن أحدًا لم يعد مستعدًا لدفع ثمنه.
المنظمات الدولية التي أُنشئت أصلًا لمنع تكرار مآسي القرن العشرين، باتت عاجزة أو مُقيّدة أو منحازة. مجلس الأمن مشلول بحق النقض، والقانون الدولي يُفسَّر وفق هوية الطرف القوي، أما حقوق الإنسان فتُجزّأ وتُنتقى بحسب الجغرافيا والتحالفات. هكذا، تحوّل السلام من قيمة إنسانية جامعة إلى شعار انتقائي.
الأخطر من ذلك أن مفهوم السلام نفسه تغيّر. لم يعد يعني إنهاء الظلم أو معالجة جذور الصراع، بل أصبح يعني “إدارة النزاع” أو “تجميده” مؤقتًا، بانتظار جولة قادمة. سلام بلا عدالة، وبلا ضمانات، وبلا أفق، هو في حقيقته هدنة مؤجلة الانفجار.
ومع كل هذا السواد، لا يمكن الجزم بأن السلام انتهى، بل يمكن القول إن السلام لم يعد خيارًا مطروحًا على طاولة القوى الكبرى، لكنه ما زال ضرورة وجودية للشعوب. التاريخ يثبت أن الحروب، مهما طالت، تصل إلى لحظة إنهاك، وعندها فقط يُعاد التفكير في السلام، لا بوصفه فضيلة، بل كخيار أقل كلفة من استمرار الدمار.
السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل هناك فرص للسلام؟
بل: متى تصبح كلفة غيابه أعلى من مكاسب الحرب؟
إلى أن يحين ذلك، سيبقى السلام فكرة نبيلة بلا رعاة، وحلمًا إنسانيًا مؤجّل التنفيذ، في عالمٍ اختار أن يُدار بالقوة… لا بالحكمة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
21-01-2026 11:14 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||