11-01-2026 04:40 PM
بقلم : قصي المجالي
يشهد العالم اليوم انزلاقًا خطيرًا في ميزان العلاقات الدولية، حيث لم يعد القانون الدولي هو الحَكَم، بل بات في كثير من الأحيان شاهدًا صامتًا على تغوّل القوة. وفي قلب هذا المشهد المربك، تبرز العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، لا بوصفها خلافًا سياسيًا عابرًا، بل كحالة كاشفة لمدى هشاشة النظام القانوني الدولي عندما تصطدم النصوص بالمصالح.
إن الخطاب الهجومي الذي ينتهجه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مهما بلغت حدته أو استفزازه، يبقى ـ وفق منطق القانون الدولي ـ شأنًا داخليًا لدولة ذات سيادة، يُواجَه بالأدوات الدبلوماسية، أو بالعقوبات المشروعة، أو عبر الأطر القضائية الدولية إن وُجدت. أما أن تتحول الخلافات السياسية إلى مشاهد إذلال علني، أو إلى ممارسات أقرب للاختطاف السياسي، فهنا نكون قد خرجنا من منطق الدولة إلى منطق الغلبة.
ولست ممن يعادون الولايات المتحدة بالمطلق، ولا من الرافضين لكل ما يتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل إنني أوافقه في بعض سياساته التي تضع المصالح الوطنية في صدارة القرار، وهو حق تمارسه كل دولة ذات سيادة، تمامًا كما نفعل نحن في الأردن الهاشمي، الدولة التي قامت فلسفتها السياسية على احترام الشرعية، والاتزان، وعدم العبث بالقانون الدولي. لكن ما لا يمكن تبريره، ولا القبول به، هو استثناء القانون حين يتعلق الأمر بالأقوياء.
فإذا صح ـ أو حتى إن جرى الترويج ـ لمشهد يعامل فيه رئيس دولة وكأنه غنيمة سياسية، يُستعرض في شوارع مدينة كبرى، فإن السؤال لا يعود سياسيًا فقط، بل يصبح قانونيًا وأخلاقيًا بامتياز: أين حصانة رؤساء الدول؟ أين مبدأ السيادة؟ وأين الأمم المتحدة التي لم تُنشأ لتصدر بيانات القلق، بل لتمنع العالم من الانزلاق إلى شريعة الغاب؟
إن ميثاق الأمم المتحدة، الذي طالما تغنى به المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية، واضح في تحريمه لاستخدام القوة، وفي تأكيده على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. كما أن القانون الدولي العام، بكل مدارسه، يجمع على أن محاسبة القادة ـ مهما كانت التهم ـ لا تكون بالاستعراض ولا بالقوة، بل عبر محاكم مختصة وإجراءات عادلة، وإلا تحول القانون إلى أداة انتقائية تُشهر في وجه الضعفاء فقط.
إن الدول لا تُقاس بقوتها العسكرية فقط، بل بقدرتها على ضبط هذه القوة بالقانون. وحين تفلت القوة من عقالها، يسقط القناع، ويصبح السؤال مؤلمًا: هل ما زلنا نعيش في عالم تحكمه القواعد، أم في عالم تُكتب فيه العدالة على مقاس الأقوياء؟
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
11-01-2026 04:40 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||