10-01-2026 09:42 AM
سرايا - أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الواجهة مجددًا قضية جزيرة غرينلاند، بعد تصريحات ومواقف أثارت جدلًا واسعًا حول سعيه لضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة، في خطوة وُصفت بأنها تحمل أبعادًا استراتيجية واقتصادية تتجاوز الطابع السياسي التقليدي.
وتُعد غرينلاند، التابعة لمملكة الدنمارك، موقعًا بالغ الأهمية من الناحية الجيوسياسية، إذ تقع في قلب المنطقة القطبية الشمالية، التي تشهد تنافسًا متصاعدًا بين القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا والصين. كما تمثل الجزيرة نقطة استراتيجية لمراقبة الممرات البحرية الجديدة التي قد تنفتح نتيجة ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي.
وتحظى غرينلاند بثروات طبيعية كبيرة وغير مستغلة بشكل كامل، تشمل المعادن النادرة، واليورانيوم، إضافة إلى احتياطات محتملة من النفط والغاز، وهي موارد تُعد أساسية للصناعات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة، ما يجعل السيطرة أو النفوذ عليها هدفًا استراتيجيًا في ظل التنافس العالمي على الموارد.
وعلى الصعيد العسكري، تحتضن الجزيرة قاعدة «ثول» الجوية الأميركية، التي تُعد جزءًا محوريًا من منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي للولايات المتحدة، وهو ما يعزز أهميتها في الحسابات الأمنية الأميركية الحالية والمستقبلية.
في المقابل، جددت الدنمارك وحكومة غرينلاند رفضهما القاطع لأي حديث عن بيع الجزيرة أو التخلي عنها، مؤكدتين أن غرينلاند ليست محل تفاوض، وأن مصيرها يحدده شعبها وحده وفق القوانين الدولية.
ويرى مراقبون أن اهتمام ترامب بغرينلاند يعكس توجهًا أميركيًا واضحًا لتعزيز النفوذ في القطب الشمالي، في ظل اشتداد الصراع الدولي على الموارد والممرات الاستراتيجية، ما يجعل الجزيرة محورًا أساسيًا في معادلات الأمن والاقتصاد العالميين.
وبحسب الخبراء، فإن الرغبة الأمريكية المعلنة والصريحة في الاستيلاء على "غرينلاند"، والتي تُشفع عادة بديباجات عن متطلبات الأمن ومقتضيات العمق الاستراتيجي الأمريكي، لا تمثل سوى رأس جبل الجليد لمجهود ثقافي أمريكي عميق لإلحاق "إنويت" غرينلاند بنظرائهم في ألاسكا.
ويشير الخبراء إلى أن النظرة للجهد الأمريكي الحالي وفق زاويتيْ التلويح بالتدخل العسكري في الجزيرة القطبية، أو الاستيلاء عليها بالمال، دون ربطهما بالجهد التعليمي والتثقيفي المحموم منذ 2019 على الأقل، لإقرار الفصل الهيكلي والبنيوي عن الهوية الإسكندنافية الدنماركية، تبقى قاصرة عن رؤية الواقع وعن تفكيكه كما يجب.
من هم "الإنويت" ؟
تؤكد المقاربات المشتغلة في مبحث الهويات، أن مصطلح "الإنويت" يُشير إلى السكان الأصليين الذين يقطنون المناطق القطبية، وينتشرون على 3 أماكن كبرى وهي "غرينلاند" أساساً، و"نونافوت" و"نونافيك" في كندا، وألاسكا في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتشير الإحصائيات الميدانية إلى أن أكثر من 90% من سكان غرينلاند والذين يناهزون 56 ألف نسمة، ينتمون لإثنية "الإنويت"، وهم بهذا الشكل يختلفون من ناحية الهوية عن الاسكندناف الدنماركيين.
ويحظى "إنويت غرينلاند" بحقوق ثقافية ولغوية وتاريخية معتبرة، ضمن منظومة الحقوق والحريات الخاصة بالسكان الأصليين، وقد عكفت كوبنهاغن على تأمين جميع الحقوق التي تنص عليها المعاهدات الإقليمية والدولية الخاصة بالأقليات الأصلية من امتلاك للأراضي وتمسك بالعادات والتقاليد وتعهّد اللغة الأصلية والحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري لشعب "الإنويت".
وتؤكد حميع الدراسات والأبحاث الخاصة بالهويات الثقافية الأصلية أن شعب "الإنويت" في "غرينلاند"، تمكن من المحافظة على هوياته الثقافية بفضل سياسات التنوع الثقافي والتعددية الثقافية التي تتبناها الدنمارك بشكل واسع وحقيقي، قصد إبقاء الجزيرة ضمن سيادة المملكة الدنماركية.
ويتمتع إقليم "غرينلاند"، بصلاحيات حكم إقليم ذاتي موسّع، حيث تقام في الإقليم دوريا انتخابات برلمانية (آخرها في مارس 2025)، وله حكومة نابعة من برلمان منتخب مباشرة من الأهالي القاطنين في الجزيرة القطبية.
ويرتبط الإقليم بالحكومة المركزية في كوبنهاغن ضمن صلاحيات الدفاع والخارجيّة، كما يٌقتطع لصالحه منحة من ميزانية الدولة الدنماركية السنوية، قدرها 600 مليون دولار، وله حصة معتبرة من عائدات المواد النادرة والثمينة المستخرجة من أراضيه. كما يحظى شعب الإنويت في "غرينلاند"، بكوتا في البرلمان الدنماركي.
نار القوة الناعمة
غير أن كل ماسبق، لم يمنع إدارة الرئيس دونالد ترمب منذ 2019، من استهداف الشعب الإنويتي في "غرينلاد" بسياسات ثقافية وبرامج هوياتية تستهدف تأصيل هوية قومية متنافرة مع الشعب الإسكندفاني الدنماركي، ومتوافقة إلى حد التماهي مع الهوية الإنويتية في ألاسكا.
في هذا السياق، تميط الدراسات والأبحاث الثقافية اللثام عن مسعى أمريكي مؤسساتي ومركز وناعم لإلحاق إنويت "غرينلاند" بإنويت ألاسكا، حيث تشير إلى أن القنصلية الأمريكية في العاصمة "نوك"- عاصمة إقليم "غرينلاند"، تلعب أدواراً مهمة في تكريس ما تسميه الدوائر الضيقة في البيت الأبيض "الأخوة القطبية".
وعمدت واشنطن منذ 2019 – أي منذ السنة الأخيرة من عهدة ترامب الأولى- على ضخّ ملايين الدولار في الجزيرة ، في قطاعات تعتبر غريبة نسبيا عن الخارجية الأمريكية؛ إذ ذهبت هذه المساعدات أساسا إلى قطاعات التعليم والثقافة واللغة، وفي مستوى ثان إلى الطاقة والتعدين، والقاعدة العسكرية الأمريكية.
ويكشف الخبراء في المسائل الثقافية والهوياتية عن وجود مشروع كامل باسم "جسر الإنويت"، يهدف إلى بلورة برامج ثقافية وتعليمية الهدف الأساسي منها ربط شعب الإنويت في غرينلاند بنظرائهم في ألاسكا، على غرار البرامج التعليمية المشتركة والتدريب الثنائي والبعثات التعليمية وتنظيم مؤتمرات كبيرة خاصة بالإنويت في ألاسكا.
ويؤكد الخبراء في هذا السياق أن هذا الدعم الأمريكي الناعم لم يمر عبر كوبنهاغن ولم يطلب موافقتها أصلا، وهي التي كانت تنظر لهذه الجسور الهوياتية بين شعوب الإنويت بكثير من الاستغراب وبكثير أيضا من قلة الحيلة وضعف البدائل.
ولم تتحفظ كوبنهاغن عن هذه المشاريع، ولم تندد بها في أيّ مرحلة من مراحل التعاون المتعاظم بين واشنطن ونوك، سواء في عهدة ترامب الأولى أو في عهدة بايدن، أو خلال فترة ترامب الثانية.
4 مسارات كبرى
ووفقا للدراسات الإثنية، والتي تهتم كثيرا بمسار تشكّل الهويات وبمسارات تشكيلها على نحو متناقض مع باقي الهويات التي تعيش معها، فإن الرؤية الأمريكية لإلحاق إنويت غرينلاند بإنويت ألاسكا، قامت على 4 مرتكزات أساسية وهي برامج التبادل التعليمي، والتدريب على التعدين والمشاركة في الملتقيات، وتعليم اللغة الإنجليزية كلغة أساسية.
فبالنسبة لبرامج التبادل التعليمي، فإنّ واشنطن عمدت إلى إرسال الطلبة والباحثين من غرينلاند للدراسة في الجامعات الأمريكية الشمالية بألاسكا، قصد بناء نخبة من القادة الغرينلانديين المربوطين ثقافيا بأمريكا وهوياتيا بألاسكا.
وقامت واشنطن بتكوين الكثير من الشباب الغرينلانديين في تخصص تقنيات التعدين المستدام، وهو التخصص الضروري لاستخراج المعادن النادرة والثمينة، وهي مقدمة أساسية لتشكيل عمالة غرينلاندية متطورة ومؤهلة مهنيا للإشراف على مشاريع التعدين في غرينلاند لصالح الشركات الأمريكية.
وهي ميزة جدّ مهمة وأساسية تمتاز بها واشنطن عن بكين حيث تفضل الأخيرة توظيف عمالة صينية أو عمالة محلية بأسعار زهيدة جداً، في حين أن واشنطن توظف الغرينلانديين في مشاريع مهمة في أرضهم، بمرتبات وحوافز مالية تعادل العمالة الأمريكية وبحقوق الشغل في الولايات المتحدة الأمريكية.
الضلع الثالث من المشروع ينبني على تمويل واشنطن لمشاركة الوفود الكبيرة من غرينلاند (طلبة وسياسيون وقادة مجتمع مدني ونقابيون وأكاديميون) في المؤتمرات التي تستضيفها ألاسكا حول الشعوب القطبية، وهو مسعى ترمي من خلاله الإدارة الأمريكية الحالية والمنصرمة إلى تعميق الشعور بالهوية الإنويتية في مقابل تهميش التبعية الثقافية الأوروبية.
أما الضلع الرابع والأخير من المشروع، فهو ضلع تدريس اللغة الأنجليزية في المدارس والمعاهد في غرينلاند؛ الأمر الذي يجعلها لغة مركزية تضاهي اللغة الدنماركية، بل وتتجاوزها، حيث الأولى تكون لغة الانصهار الاقتصادي في المنظومة التشغيلية الأمريكية في حين تكون الثانية لغة الاحتلال والاستعمار.
ويستخلص المتابعون، أنّه على ضوء ما تقدم من أضلع وأبعاد أربعة، سعت واشنطن إلى إلحاق شعب غرينلاند بألاسكا، قبل استعمال اللغة الحربية، وقبل تقديم عروض لشراء الجزيرة بالدولار.
الشعب الغرينلاندي
ووفقاً للتقييمات الأمريكية، فإن ما بُني منذ 2019، يسمح لواشنطن، بتصعيد نبرة الخطاب ضد كوبنهاغن، وباستعمال "سطوة الدولار" و"سلطة النار"، في التعاطي مع مملكة المعادن النادرة والثمينة، حيث تشكل – وفق القراءة الأمريكية- مزاج عام "إنويتي" يرغب في التقارب مع ألاسكا، ويرى فيها جهة أقرب كثيرا من كوبنهاغن، ثقافيا وجغرافيا.
غير أن هذه التقييمات الأمريكية، يبدو أنها غير مستوعبة لجميع المشهد الغرينلاندي، ذلك أن الرغبة الجامعة في الاستقلال من الدنمارك لا تعني أبدا قبول الالتحاق بالولايات المتحدة الأمريكية.
ونجاح واشنطن في تكريس هوية أصلية متكرسة لدى الشعب الغرينلاندي بأنهم شعب "إنويتي"، لا يعني شرطيا وتلازميا القبول بالاندماج مع "إنويت ألاسكا".
وتؤكد مصادر إعلامية ميدانية عن شرائح واسعة من الشعب الغرينلاندي تمثلهم للاثنية "الإنويتية"، كاثنية منفتحة تستوعب شعوبا ومجتمعات عديدة، وليست بالضرورة اثنية واحدة، حيث لإنويت غرينلاند خصوصية عن نظرائهم في كندا، وفي ألاسكا.
ووفق لذات المراقبين، فإن التسليم بوجود اثنية "إنويتية" واحدة، يفترض اندماج "إنويت" ألاسكا مع نظرائهم في "غرينلاند"، وليس العكس، فأهالي الجزيرة هم الذين يتمتعون بالحكم الذاتي وهم الأقرب اليوم من تكوين "دولة أمة"، قائمة على الهوية الإنويتية، من غيرهم.
وبغض النظر عن المدى الموضوعي لإلحاق غرينلاند بألاسكا، وعن معقولية أبعاد بناء هوية قطبية واحدة، فإن الجزيرة القطبية باتت على قائمة أولويات ترامب، وبات التلويح بالسيطرة عليها، أكثر من مجرد تفكير ثقافي اثني، أو تنظير أكاديمي، باعتبارها تقع أساسا تحت بند "الأمن القومي"، وبعنوان "المجال الاستراتيجي" و"النفوذ الحيوي".
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
10-01-2026 09:42 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||