حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,8 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4036

أ.د غازي عبدالمجيد الرقيبات يكتب: تقييم الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية .. ( تجربة الخصخصة)

أ.د غازي عبدالمجيد الرقيبات يكتب: تقييم الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية .. ( تجربة الخصخصة)

أ.د غازي عبدالمجيد الرقيبات يكتب: تقييم الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية ..  ( تجربة الخصخصة)

06-01-2026 09:59 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : أ.د غازي الرقيبات
ليست الموارد الوطنية مجرد أصولٍ مالية تُدرج في دفاتر الحسابات وتُقاس بقيمتها السوقية، ولا المؤسسات العامة كياناتٍ جامدة يمكن نقل ملكيتها كما تُنقل السلع في الأسواق المفتوحة؛ بل هي ذاكرة وطن، وأدوات سيادة، وشرايين تنمية، إن انقطعت اختلّ توازن الجسد الاقتصادي، وإن أُحسن توجيهها استعادت الدولة عافيتها وقدرتها على الفعل، فالأصول الوطنية، في جوهرها، ليست أرقامًا صماء، بل تعبير حيّ عن العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وعن قدرة سلطات الدولة على حماية مصالح الأجيال المتعاقبة.

لقد جاءت الخصخصة في الأردن، كما في كثير من الدول النامية، في سياق تاريخي مثقل بالضغوط المالية، والاختلالات الهيكلية، وشروط مؤسسات دولية قُدّمت بوصفها وصفات جاهزة للإنقاذ الاقتصادي، يومها، رُوّج للخصخصة باعتبارها علاجًا لا بديل عنه، ومسارًا حتميًا للخروج من عنق الزجاجة، غير أن التجربة، حين أُخضعت لاختبار الزمن، كشفت أن بعض تلك العلاجات حمل في طياتها آثارًا جانبية عميقة؛ إذ تراجع الدور التنموي للدولة، وتقلصت قدرتها على توجيه القطاعات الاستراتيجية، وتحول منطق الخدمة العامة من أداة لتحقيق الصالح العام إلى معادلة ربحية لا ترى في المواطن سوى مستهلك.

غير أن الخطأ الأكبر لا يكمن في الخصخصة بذاتها، بل فيما تلاها، حين غابت الحوكمة، وضعفت أدوات التنظيم، وتراجعت الرقابة، فاستعادة المؤسسات دون إصلاح بنية إدارتها يشبه إعادة سفينة إلى الميناء بذات الثقوب التي أغرقتها سابقًا، لذلك، فإن أي استرداد حقيقي لا بد أن يتزامن مع إعادة بناء أنظمة حوكمة صارمة، تقوم على مجالس إدارة مستقلة وكفؤة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وفصل واضح بين الملكية والإدارة، وخضوع فعلي لرقابة برلمانية ومجتمعية شفافة، عندها فقط، تتحول المؤسسة العامة من عبءٍ على الخزينة إلى رافعة تنموية قادرة على توليد القيمة.
ولعل أخطر ما أفرزته الخصخصة غير المنضبطة لم يكن ماليًا فحسب، بل اجتماعيًا أيضًا؛ إذ ارتفعت كلف الخدمات الأساسية، واتسعت فجوة العدالة، وتآكلت ثقة المواطن بدور الدولة كحامٍ للمصلحة العامة، وحين تستعيد الحكومة مؤسساتها ومواردها الاستراتيجية، فهي لا تستعيد أصولًا مادية فحسب، بل تستعيد دورها كضامن للتوازن الاجتماعي، وكحارس لفكرة أن بعض الخدمات ليست سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب، بل حق أصيل من حقوق المواطنة، في هذا السياق، يغدو الاسترداد رسالة سياسية عميقة مفادها أن الدولة لا تنسحب امام التزاماتها تجاه حياة مواطنيها، بل تعود حين يختل الميزان.

من هنا، فإن الحديث عن استعادة الموارد والمؤسسات الوطنية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حنينًا إلى نموذج اقتصادي تجاوزه الزمن، ولا بوصفه نزوعًا أيديولوجيًا معاديًا للسوق، بل باعتباره مراجعة سيادية عقلانية تستند إلى علم الاقتصاد السياسي، وإلى حق الدولة الأصيل في إعادة تنظيم علاقتها بأصولها الاستراتيجية بما يحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والسيادة الوطنية، إنها مراجعة تنطلق من سؤال جوهري: أين يجب أن تقف يد الدولة، وأين يمكن للسوق أن يعمل دون أن يتحول إلى بديل عن القرار الوطني؟
إن المدخل العلمي الرشيد لاستعادة المؤسسات المخصخصة لا يبدأ بالاستحواذ القسري ولا بالقرارات الانفعالية، بل بتبنّي مفهوم أكثر نضجًا يمكن توصيفه بإعادة التوطين الاقتصادي للأصول الاستراتيجية، وهو مفهوم يقوم على التمييز الدقيق بين القطاعات التنافسية التي يبرع فيها القطاع الخاص، والقطاعات السيادية التي لا يجوز أن تُدار بمعزل عن الإرادة الوطنية، فالدولة، في هذا الإطار، لا تنازع السوق ولا تلغيه، بل تعيد ضبط البوصلة بحيث يبقى السوق أداةً من أدوات التنمية، لا غايةً قائمة بذاتها.
ومع ذلك، فإن الاقتصاد، بوصفه كائنًا حيًا، لا يحتمل الصدمات المفاجئة ولا الانقلابات الحادة، فالتدرج في الاستعادة ليس خيارًا تكتيكيًا فحسب، بل ضرورة علمية، تبدأ بتحديد الأولويات، وتقديم القطاعات الأكثر ارتباطًا بالأمن الوطني والمعيشي، وتترافق مع خطاب عقلاني يطمئن المستثمرين بأن الأردن لا يعادي الاستثمار ولا ينقلب عليه، بل يسعى إلى تنظيمه ضمن حدود السيادة، وبما يحفظ الثقة ويمنع الإرباك، وتقتضي الحكمة السياسية أن تكون عملية الاستعادة هادئة، قانونية، وتدريجية، تستند إلى مراجعة فنية وقانونية محايدة لعقود الخصخصة، تبحث في مدى التزام المستثمرين بشروط التشغيل والاستثمار، وفي تحقق الأهداف التي بُنيت عليها تلك الصفقات، من تحسين للخدمات، وتخفيض للكلف، ونقل للمعرفة، وحيثما ثبت الإخلال، يصبح للدولة حق قانوني وأخلاقي في إعادة التفاوض أو الاسترداد، لا بوصفه إجراءً عقابيًا، بل تصحيحًا لمسار اختلّ، كما يمكن للدولة أن تلجأ إلى أدوات أكثر ذكاءً، كإعادة الشراء التدريجية عبر صناديق سيادية أو شراكات وطنية، أو حتى إشراك المواطنين في عملية الاسترداد عبر أدوات مالية، فيتحول الأمر من قرار حكومي إلى مشروع وطني جامع.
إن استعادة الموارد والمؤسسات الوطنية لا ينبغي أن تُختزل في كونها قرارًا تقنيًا أو ردّة فعل على خيارات صعبة مضت، بل هي اختيار حضاري واعٍ بين نموذجين للدولة: دولة تُدار بمنطق الحسابات القصيرة، وأخرى تُبنى بمنطق الأجيال، بين اقتصاد ينظر إلى الوطن كبندٍ في الميزانية، وآخر يراه رسالة ومسؤولية تاريخية ممتدة، وعليه فإن الحكمة تقتضي تجاوز مرحلة الندب ولوم قرارات الماضي في الخصخصة، مهما كانت كلفتها أو دوافعها، والانتقال إلى مرحلة التفكير الجدي والمسؤول في كيفية استعادة الأصول الوطنية الاستراتيجية، بشتى الوسائل السلمية والشرعية، بوصفها مسارًا إصلاحيًا لا تصفية حسابات، وحين تعود هذه المؤسسات إلى أحضان الوطن، لا تعود لتُدار بذات الأدوات أو العقليات التي أرهقتها سابقًا، بل لتنهض في إطار مؤسسي حديث، أكثر كفاءة، وأعمق عدالة، وأكثر التصاقًا بمصالح المواطن واحتياجاته، وبذلك تغدو السيادة الاقتصادية ممارسة يومية واعية، لا شعارًا يُرفع، تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواردها، وتوظيفها بحكمة، والارتقاء بالاقتصاد الوطني إلى مستوى طموحات القيادة الهاشمية، بما يصون حق المواطن في التنمية، ويؤسس لمستقبل وطني زاهر، متوازن، وقادر على الاستمرار.

أ.د غازي عبدالمجيد الرقيبات











طباعة
  • المشاهدات: 4036
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
06-01-2026 09:59 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم