05-01-2026 03:07 PM
بقلم : د. جهاد يونس القديمات
في الجامعات حول العالم، تشكل الترقية الأكاديمية Academic Promotion محطة طبيعية في المسار المهني لعضو هيئة التدريس، إذ يفترض أن تعبر عن تقدير الجامعة لجهده العلمي والتعليمي ودوره في خدمة المجتمع، فهي ليست إجراء إداريا فقط، بل مؤشر على فلسفة الجامعة في فهم المعرفة وأولوياتها، غير أن هذه الترقية باتت خلال السنوات الأخيرة موضع نقاش متزايد، مع تصاعد الشعور بأن أنظمتها تميل إلى الحسابات الرقمية والمؤشرات الكمية، على حساب التقييم الإنساني المتوازن لطبيعة العمل الأكاديمي.
تعتمد معظم الجامعات، بما فيها الجامعات العربية والأردنية، على بنود متشابهة للترقية، تشمل مدة البقاء في الرتبة، والإنتاج العلمي، والأداء التدريسي، والمشاركة في الخدمة الجامعية والمجتمعية، إضافة إلى التقييم النهائي من لجان مختصة، وعلى الرغم من منطقية هذه البنود نظريا، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن فجوة واضحة بين الهدف المعلن والواقع، حيث يجري التركيز على ما يسهل قياسه، مقابل تراجع الاهتمام بجوانب أكثر عمقا يصعب اختزالها في أرقام.
من أبرز الملاحظات المطروحة، مسألة ربط الترقية بمدة زمنية ثابتة في الرتبة، فهذا الشرط، الذي وضع لضمان التدرج والنضج، يتحول في كثير من الحالات إلى قيد إداري جامد، لا يميز بين من يحقق إنجازات نوعية مبكرة، ومن يكتفي بالحد الأدنى من الأداء، وفي هذا السياق يعبر أكاديميون عن شعور مشابه، حيث ينظر إلى الزمن أحيانا بوصفه بديلا عن التقييم الحقيقي، لا إطارا تنظيميا مرنـا.
غير أن محور النقاش الأوسع يتركز حول البحث الأكاديمي Academic Research ، الذي أصبح العامل الأثقل وزنا في قرارات الترقية، فمع تصاعد أهمية التصنيفات العالمية، لم يعد السؤال الأساسي هو قيمة البحث وتأثيره، بل عدد الأبحاث المنشورة، والمجلات التي نشرت فيها، هذا التوجه أسهم في ترسيخ ثقافة ترى في النشر غاية بحد ذاته، وأوجد ضغوطا مستمرة على الأكاديمي، خاصة في الجامعات التي تسعى إلى تحسين موقعها في التصنيفات الدولية.
يشير باحثون إلى أن السعي المحموم نحو النشر أدى أحيانا إلى ممارسات غير صحية، مثل تجزئة الأفكار البحثية أو اختيار موضوعات سريعة النشر على حساب الدراسات العميقة طويلة الأمد، وفي الجامعات العربية، حيث الموارد البحثية محدودة نسبيا، تتضاعف هذه الإشكالية، إذ يطلب من الأكاديمي تحقيق شروط بحثية عالية دون توفير الدعم الكافي من حيث التمويل أو البنية التحتية.
يزداد هذا التحدي مع الاعتماد شبه الحصري على المجلات المصنفة دوليا Internationally Indexed Journals ، فرغم أهمية التحكيم العلمي، إلا أن كثيرا من القضايا المحلية، سواء كانت تربوية أو اجتماعية أو تنموية، لا تجد طريقها بسهولة إلى هذه المجلات، وهذا يدفع بعض الباحثين إلى الابتعاد عن هموم مجتمعاتهم، أو إعادة صياغتها بما يتناسب مع متطلبات النشر الدولي، حتى لو فقدت جزءا من خصوصيتها وأثرها المحلي.
في ظل هذا الضغط، برزت ظاهرة المجلات المفترسة Predatory Journals كأحد الأعراض الجانبية للنظام القائم، حيث تستغل هذه المجلات حاجة الأكاديميين للنشر، وتوفر مسارات سريعة مقابل رسوم مالية، دون تحكيم علمي جاد، ورغم التحذيرات المتكررة، يرى مختصون أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط بالقوائم والتنبيهات، بل بإعادة النظر في منطق الترقية ذاته.
أما التدريس، الذي يفترض أن يكون جوهر العمل الجامعي، فيأتي في مرتبة ثانوية ضمن كثير من أنظمة الترقية، وغالبا ما يقاس الأداء التدريسي عبر تقييمات الطلبة، وهي أداة مهمة لكنها غير كافية إذا استخدمت منفردة، فهذه التقييمات تتأثر بعوامل متعددة، وقد لا تعكس دائما جودة المحتوى أو الجهد المبذول في الإشراف والمتابعة.
يشير أساتذة في جامعات أردنية وعربية إلى أن الوقت الذي يستثمر في تطوير المساقات، ومتابعة الطلبة، والإرشاد الأكاديمي، لا ينعكس بالقدر نفسه في قرارات الترقية، مقارنة بالبحث العلمي، هذا الخلل قد يدفع بعض الأكاديميين، عن غير قصد، إلى إعادة ترتيب أولوياتهم بما يتوافق مع متطلبات النظام، لا مع احتياجات العملية التعليمية.
في بصورة مشابهة، تدرج الخدمة الجامعية والمجتمعية University and Community Service ضمن معايير الترقية، لكنها غالبا ما تبقى في هامش القرار، فالمشاركة في اللجان، أو تقديم الخبرة للمؤسسات الوطنية، أو الانخراط في قضايا المجتمع، لا تترجم في كثير من الأحيان إلى وزن فعلي في ملف الترقية Academic Promotion Portfolio ، رغم أهميتها في تعزيز دور الجامعة التنموي.
أما التقييم النهائي عبر لجان الترقية، فيفترض أن يكون الضامن الأخير للعدالة والجودة، لكنه يثير بدوره تساؤلات تتعلق بالشفافية Transparency وتوحيد المعايير Standardization of Criteria ، فغياب التفسير الواضح لبعض القرارات، وتفاوت الاجتهادات بين اللجان، يترك لدى عدد من الأكاديميين شعورا بعدم الوضوح، حتى في الحالات التي لا يكون فيها ظلم مقصود.
من جانب آخر، العوائد المالية للأساتذة الجامعيين في كثير من الجامعات، بما فيها الجامعات الأردنية، غالبا لا تعكس حجم المسؤوليات التي يتحملها الأستاذ، ويشعر بعض الأكاديميين أن الرواتب أقل مما يستحق، وهذا قد يضعف الحافز لديهم أو يجعلهم يبحثون عن فرص إضافية خارج الجامعة، وأحيانا يركزون على النشر المكثف لضمان الترقية على حساب جودة التدريس والتفاعل مع الطلبة، كما أن الفروقات في العوائد بين الجامعات الحكومية والخاصة، وبين التخصصات المختلفة، قد تولد شعورا بعدم العدالة، ويؤثر في النهاية على مستوى التعليم والبحث العلمي.
في النهاية، لا تهدف هذه الملاحظات إلى التقليل من أهمية البحث العلمي أو الدعوة إلى تخفيف المعايير، بل إلى إعادة التوازن إلى نظام الترقية الأكاديمية، فالأستاذ الجامعي ليس مجرد منتج أبحاث، بل معلم ومرب وصاحب دور مجتمعي، والجامعة التي تطمح إلى الريادة الحقيقية، هي تلك التي تنجح في الموازنة بين الجودة العلمية، والعدالة المنظمية، والمهنية العالية، والبعد الإنساني للعمل الأكاديمي.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
05-01-2026 03:07 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||