العتوم يكتب: إلغاء حبس المدين في الأردن: إصلاح حقوقي أم أزمة ثقة تجارية؟

منذ 5 شهور
المشاهدات : 10738
 العتوم يكتب: إلغاء حبس المدين في الأردن: إصلاح حقوقي أم أزمة ثقة تجارية؟
صهيب رائد عبدالكريم العتوم

صهيب رائد عبدالكريم العتوم

أثار تعديل قانون التنفيذ الأردني لعام 2022، الذي ألغى حبس المدين عن الالتزامات التعاقدية واعتبر الشيكات والكمبيالات ديونًا مدنية لا تستوجب الحبس، جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والتجارية.
فبينما جاء التعديل منسجمًا مع المعايير الحقوقية الدولية التي ترفض سجن الإنسان لعجزه المالي، إلا أن تطبيقه العملي كشف عن آثار اقتصادية غير متوقعة، خصوصًا على صغار التجار.

قبل التعديل، كانت الأوراق التجارية تشكّل أداة ائتمان أساسية في السوق الأردني، تُمكّن التجار من البيع الآجل وتحريك السيولة دون الحاجة إلى تمويل مصرفي مكلف. غير أن إلغاء الحبس أفقد الشيك والكمبيالة قيمتهما الردعية، ما أدى إلى تراجع الثقة بين المتعاملين، وانكماش الائتمان التجاري، واتجاه كثير من التجار إلى التعامل النقدي أو الامتناع عن البيع الآجل.

اقتصاديًا، انعكس هذا التحول على حركة السوق، حيث تباطأت دورة رأس المال، وتعثر دائنون في تحصيل حقوقهم، بينما عجز مدينون عن استجرار البضائع وتشغيل أعمالهم. وتشير تقديرات متداولة إلى أن قيمة الشيكات المرتجعة في الأردن كانت تتجاوز مليار دينار سنويًا، ما يعكس حجم الاعتماد السابق على هذه الأداة.

تجربة الكويت تقدم نموذجًا مقارنًا لافتًا؛ فبعد تقييد حبس المدين، واجهت مشكلات مشابهة في تنفيذ الأحكام، ما دفعها إلى اعتماد نهج أكثر توازنًا يميّز بين المدين المعسر والمدين المقتدر الممتنع، ويُبقي الحبس كوسيلة استثنائية خاضعة لرقابة قضائية مشددة.

الإشكالية في الحالة الأردنية لا تكمن في إلغاء الحبس بحد ذاته، بل في غياب بدائل تنفيذية فعّالة وسريعة تحمي حقوق الدائن دون المساس بكرامة المدين. فالتنفيذ المدني وحده، في ظل بطء الإجراءات وضعف أدوات التتبع المالي، لم يكن كافيًا للحفاظ على استقرار المعاملات.

إن المطلوب اليوم مراجعة متوازنة للتشريع، تقوم على تعزيز وسائل التنفيذ، وتطوير السجلات الائتمانية، وإعادة النظر في الحبس التنفيذي بشكل مقيد ومشروط، بما يعيد الثقة للسوق ويحافظ في الوقت ذاته على البعد الحقوقي الذي انطلق منه التعديل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم