30-11-2025 10:24 AM
بقلم : الدكتور عامر عبد الرؤوف السعايده
منذ وصول السفير الأمريكي الجديد جيمس هولتسنيدر إلى عمّان في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بدا واضحًا أنّ الرجل لا يشبه الدبلوماسيين الأمريكيين الذين مرّوا على الأردن. فهذا السفير يمتلك مسيرة ممزوجة بالخبرة العسكرية والدبلوماسية والإدارية، جعله محطّ ثقة صانعي القرار في واشنطن. فقد بدأ هولتسنيدر طريقه من سلاح مشاة البحرية الأمريكية، حيث خدم عدة سنوات تركت بصمتها على شخصيته المهنية انضباطًا، ودقّة، وفهمًا عميقًا للبيئة الأمنية والاستراتيجية. وبعد انتقاله إلى السلك الدبلوماسي، تنقّل بين مواقع شديدة الحساسية في المنطقة والعالم، بدءًا من العراق والكويت وتونس، وصولًا إلى أفغانستان والصومال وإيطاليا، قبل أن يشغل مناصب مركزية داخل وزارة الخارجية الأمريكية، لا سيما في مكتب الشؤون السياسية العسكرية ومكتب شؤون إيران ومركز العمليات. فهذه المسيرة الحافلة منحته قدرة خاصة على قراءة المجتمعات والتعامل مع معادلات النفوذ خارج القنوات الرسمية.
ولم يمض وقت طويل له في الأردن حتى بدأ بطباعة بصمته في المجتمع الأردني مباشرة وعلى عجل. فبدل الاكتفاء بالمكاتب واللقاءات البروتوكولية، انفتح هولتسنيدر على المجتمع الأردني بطريقة غير مسبوقة؛ تثير جملة من التساؤلات في ذهن كل أردني شاهد تحركاته. فالتودد الغربي للمجتمعات العربية وخاصة الأردنية ليس من باب المودة والانفتاح إنما يقيناً لأهداف وأجندات مدرجة على قائمة مهام هذا السفير.
فقد شوهد يعزّي قبيلة بني صخر بمصابهم الجلل، ويجلس على موائد المنسف، يرتدي الشماغ الأحمر، ويشارك في مهرجانات الزيت والزيتون. وهذه التحركات، التي تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مبادرات اجتماعية لطيفة، ليست كذلك في العمق؛ فهي جزء من استراتيجية أمريكية مدروسة تبني نفوذًا يتجاوز المؤسسات إلى الناس أنفسهم. وهذه الشخصية الدبلوماسية هي الجديرة بذلك ومن وجهة نظر إدارته في واشنطن.
فالأردن، باعتباره حجر زاوية في استقرار المنطقة، يشكّل ساحة لا تقبل الفراغات. وأمام مرحلة إقليمية يعاد فيها تشكيل خرائط القوة، تدفع واشنطن بما يمكن تسميته "الدبلوماسية الشعبية الذكية" دبلوماسية تمزج السياسة بالثقافة، والرمزية بالعلاقات المجتمعية، لتكوّن شبكة تأثير تمتد من العشائر إلى الطبقات الوسطى، ومن الفضاء الاقتصادي المحلي إلى الوجدان الشعبي.
هنا، يصبح المنسف والشماغ والمناسبات الاجتماعية الأردنية أدوات سياسية ناعمة، تُستخدم لقراءة المزاج العام وبناء الثقة قبل أي لقاء رسمي. والرسالة واضحة، الولايات المتحدة لا تريد أن تكون شريكًا حاضرًا في المؤسسات فقط، بل في النسيج الاجتماعي اليومي للأردنيين. وهكذا يتحرك السفير الأمريكي الجديد بروح تختلف عن سابقين، لا ليؤدي دورًا بروتوكوليًا عابرًا، بل ليؤسس لنفوذ طويل الأمد يبدأ من الناس ويصل إلى مراكز القرار.
فبالمحصلة، تبدو تحركات السفير هولتسنيدر، بما يمتلكه من خبرة ميدانية ورؤية واضحة وخطط موجّهة نحو المجتمع الأردني، أبعد بكثير من مجرد مجاملات اجتماعية أو محاولة لمواكبة العادات والتقاليد المحلية؛ فهي جزء من استراتيجية نفوذ أمريكية تُذكّر باستراتيجيات اندماج الإنجليز في المجتمع الأردني إبّان الانتداب البريطاني. وهكذا، لا يأتي السفير الجديد ليواصل المسار التقليدي، بل ليعيد تشكيله، ويضع أسس نفوذ يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية الأردنية ويمتد إلى دوائر صناعة القرار.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
30-11-2025 10:24 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||