29-11-2025 10:49 AM
بقلم : د. فيصل الغويين
اختار الملك حسين وصفي التل رئيسا للوزراء وكان عمره 42 عاما، ليكون أحد أبرز الوجوه في السياسة الأردنية، حتى اغتياله عام 1971.
امتلك وصفي التل قدرا كبيرا واستثنائيا من الثقة بالنفس، ووضوح الرؤية والإصرار المبني على القناعة، وظل ينفر من الدسائس ولا يميل إلى الاستماع لأصحابها، مؤمنا أن المصلحة العامة تأتي قبل أي علاقة عائلية أو جهوية. وقد طبق هذا المبدأ بحزم في سياسة التوظيف، وإشغال المناصب العامة، ما منحه احتراما عابرا للزمن بين الناس.
آمن بأهمية القانون والنظام في حياة الأمم، وانتهج سلوكا سياسيا قام على مبدأ الوضوح والمكاشفة، كانت مرجعتيه الذهنية فلسفة البساطة وأخلاقية الوظيفة، يقول :" إن الوضوح في التفكير، كالوضوح في العمل، أساسان في قناعتي للحكم السليم".
مثل وصفي التل ظاهرة التحدي غير المساوم لكل ما هو مفتعل ودخيل. وكان يرى الخطر الذي يهدد أمته ووطنه، فيشير إليه تحذيرا وتنبيها وتصديا ومواجهة. ومثل مدرسة استندت إلى العقل والخلق والمبادئ، كما أرادها ومارسها داخل الحكم وخارجه، وكان عدوا للغو السياسي والارتجال.
لم يعرف عنه من تعامل معه من سياسيين أو مواطنين أنه أشار إلى نسبه أو احتمى به. بل أن النضال المسلح المبكر الذي شارك فيه عدد كبير من أفراد أسرته خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وفي المقاومة الفلسطينية المسلحة، وانحياز أفراد كثر من أسرته إلى تيار المعارضة السياسية جعله يقف بصلابة مع قناعاته، وبحصانة متوارثة ضد الفساد.
لم يسجل عليه رفيقه في المدرسة والجامعة حمد الفرحان، طيلة علاقة امتدت أربعة عقود كذبة واحدة، وصفه شقيقه سعيد بالهدوء والروية عند الكلام، وانخفاض صوته حتى عندما يغضب.
أما عبد الرزاق اليحيى أحد ضباط فوج اليرموك في جيش الإنقاذ، والذي تولى لاحقا قيادة جيش التحرير الفلسطيني، فيقول، كان وصفي فائق الذكاء، ومثقف جاد، وذو إطلاع واسع على الشؤون العسكرية، ورغم صلابته وحزمه في القضايا العامة، إلا أنه كان في علاقاته الشخصية، ودودا وعفويا مع أصدقائه.
أما رجاء الدجاني، الذي تولى حقيبة الداخلية عام 1968، فيصف وصفي بالتواضع والدماثة والنزاهة، فهو لم يخاصم أحد لأسباب تتعلق بالأشخاص أنفسهم، بل بموقفه منهم. تبنى مواقف الدولة والنظام دون أن يؤمن بها بالضرورة، لكن شعوره بالكبرياء لم يسمح له بأن يقول هذا موقف فرض علي، أو هكذا يريد ولي الأمر.
اتسم بقدرته على السيطرة على مشاعره، حتى في أصعب لحظات حياته، ومنها خلال استعداده لمغادرة مطار عمان في رحلته الأخيرة إلى القاهرة، رغم التحذيرات التي وصلته من الذهاب، فقد سيطر عليه الهدوء.
نزاهة وانتماء إلى الأرض
اعتمد وصفي على دخل شهري محدود من عمله في الوظيفة العامة، وكان أول راتب تقاضاه كمأمور إحصاء عام 1950 وقدره (21 جنيها فلسطينيا)، في حين كان راتبه عند تشكيله لحكومته الأولى بتاريخ 28 كانون الثاني من عام 1962 (180) دينارا. وقد توزع دخله بين أقساط التزم بها، وكفالات بنكية لزملائه في العمل، فلازمه الضيق منذ أن كان طالبا يتلقى مصروفه من والده حتى بعد أن أصبح رئيسا للحكومة.
مات مدينا لمؤسسة الإقراض الزراعي، وبعد استشهاده قرر الملك حسين تسديد ديونه، البالغة حوالي ثلاثة وتسعين ألف دينار. وحول ذلك يقول حمدي الطباع الذي كان في مكتب محمد عودة القرعان مدير مؤسسة الإقراض، خلال إحصاء تلك الديون، أنها كانت أثمان "إطارات تراكتور، وبكب فورد، وطرمبة ماء، ومحراث، وثمن بذور، وديزل". وهي مواد استخدمها في مزرعته التي أنشأها في الحلابات عام 1968، وحفر بها بئر ماء.
لقيه أحد أصدقائه ذات يوم وهو عائد من مزرعته معفر بالتراب، فقال له: لما تفعل هذا، أنت رئيس وزراء؟ فكان جوابه :" لا يمكن أن يقتنع هؤلاء الناس أن الأرض هي أساس كل شيء، إلا إذا أعطيناهم نموذجا حيا".
كان منيب المصري يملك أرضا في الضليل، قرب مزرعة وصفي، وقد شاهده يعمل بيده مع المزارعين، فيقول: شعرت بقيمة الأرض عنده، حين كنا نتحدث في الزراعة التي أحبها كما أحب القدس وفلسطين".
شكل حبه للأرض وشغفه بالزراعة، تراثا وطنيا في قيم العمل والإنتاج، وقد أشرف على غابات وأحراج واعتنى بها بنفسه، ما عكس فهما وإدراكا عميقا للقوة السياسية والمعنوية للأرض. لذلك قال لعدنان أبو عودة قبل سفره الأخير إلى القاهرة :" عندما أعود سأعمل على إصدار تشريع يمنع البناء في الأراضي الواقعة غرب عمان، والتي تحولت بعده إلى غابة من الإسمنت.
2
كان شغوفا بالقراءة والمطالعة، وقد احتوت مكتبته على حوالي ثلاثة آلاف كتاب، باللغات العربية والانجليزية والألمانية والكردية، تنوعت موضوعاتها بين السياسة والفلسفة والتاريخ العسكري.
من بين سياسيين كثر تسلموا مراكز قيادية كان وصفي التل السياسي المختلف، والعسكري المختلف، والاقتصادي المختلف، والزعيم الوطني المختلف.
واجه باللحن الأردني هجوما إعلاميا عربيا كبيرا على الأردن، فتحولت الأغنية إلى رسالة ذات مضمون سياسي، واجه بها مئات من التعليقات السياسية.
وضع وصفي التل أربعة أسس شكلت المقياس الذي يحدد ما إذا كانت الشخصية مؤهلة لأن تدخل الفريق الوزاري، وهي: الإيمان المطلق بنظام الحكم، ودوره القيادي في المعركة، الاستقامة والحزم، وعدم ازدواجية الولاء، والإيمان بخطة العمل وتفاصيلها الدقيقة. وعند تشكيله الحكومة الأخيرة أضاف معايير جديدة تتعلق بالأمن الوطني.
كان يعي معنى الاستقلال الاقتصادي، ويدرك مخاطر التبعية، فبدأ في برنامج طموح لإقامة قطاع عام اقتصادي.
اختار طاقمه الحكومي لأول وزارة من نخبة من الشباب، وكان معيار إشغالهم الكفاءة والنزاهة والمؤهل العلمي المناسب.
حاول بناء حياة سياسة واستئناف المسيرة الديمقراطية والعمل السياسي العام على أساس نظام الحزبين، وفي هذا الترتيب يحكم حزب الأغلبية البرلمانية ويراقب حزب الأقلية، وكان يعتقد أن نظام الحزبين يمكن أن يكون بداية التعددية السياسية.
طرح وصفي التل موضوع إعادة تنظيم الأحزاب السياسية في الأردن، معلنا أمام مجلس النواب أن حكومته (الأولى) سوف تعيد النظر في التشريع الذي ينظم تشكيل الأحزاب، وستقدم مشروعا يؤمن تأسيس الأحزاب على اسس سليمة، مبرأة من " الهدف الأناني والعبث الخارجي"، وأن تكون موضوعية التفكير. وتضمن المشروع شروط الترخيص؛ ومنها أن لا يكون الحزب فرعا لأحزاب تعمل خارج الأردن، وأن لا يكون للحزب نفسه فروع خارج الأردن، ولأن الحكومة لم تدم طويلا لم يفعّل مشروع قانون تشكيل الأحزاب، وبقيت الممارسة الحزبية ممنوعة، مع أنه لم يسقط فكرة الأحزاب إلا أنه اشترط أن تكون أردنية المنشأ والهدف.
وفي عام 1966 أعاد وصفي التل فكرة تنظيم العمل الحزبي في الأردن، من خلال تشكيل لجنة لوضع مسودة مشروع ميثاق العمل السياسي العام، والذي كان يطلق عليه اسم " الميثاق القومي العربي". وصولا لوضع قانون أحزاب جديد يسمح بتطور حزبين أو ثلاثة على الأكثر، لكن الأحداث التي رافقت حرب 1967، والأوضاع السياسية والاجتماعية التي سادت المجتمع آنذاك، لم تسمح بالتفكير بالعمل السياسي العام، فجمّد المشروع.
3
بعد أن رزق الملك حسين بنجله عبدالله، تم تشكيل لجنة لإصدار عفو عام عن المحكومين بمختلف القضايا. وأعلن وصفي التل أن العفو سيشمل المحكومين السياسيين وغير السياسيين، بمن فيهم المقيمون خارج الأردن. وبدأت الحكومة بإطلاق سراح عدد من السجناء العسكريين والمدنيين، وتم الإفراج عن بعض الضباط، من بينهم محمود الروسان المتهم بتدبير محاولة انقلابية، وعاد عدد كبير من أعضاء حركة الضباط الاحرار إلى أجهزة الدولة، وليس للجيش، حيث عاد شاهر أبو شحوت وضافي الجمعاني وغيرهما إلى مجلس الإعمار، وقاسم الناصر وخالد الطراونة وآخرون إلى الدفاع المدني وبعض مواقع الأمن العام، بالإضافة إلى حث الشركات الحكومية أو المختلطة أو حتى الخاصة لتوظيف عدد منهم، وبالرغم من أن القانون استثنى الأفراد المحكومين بموجب قانون مقاومة الشيوعية، فقد تم الافراج عن 120 شيوعيا.
كما شجع وصفي اللاجئين السياسيين الذي غادرو الأردن على العودة، خاصة وأن أكثرهم من ذوي الكفاءة. وكان من أبرز من عاد علي الحياري رئيس هيئة الأركان الأسبق، وحمدي التاجي الفاروقي عضو حزب البعث، وشفيق ارشيدات من مؤسسي الحزب الوطني الاشتراكي، والمهندس نعيم عبدالهادي، وسليمان الحديدي نقيب المحامين.
كان من الحريصين على حث الملك ورجال المعارضة على البحث الدائم عن العمل المشترك الذي يحتاج إلى القرار المسؤول، لأنهم بذلك سيجدون الكثير مما يجمعهم والقليل مما يفرقهم... يتبع
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
29-11-2025 10:49 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||