حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,23 مارس, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 57674

مزمار هاملين الجديد

مزمار هاملين الجديد

مزمار هاملين الجديد

11-03-2019 03:48 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : المهندس عامر عليوي
يقول ابن خلدون في مقدمته قبل ما يزيد عن 640 عاما عن أسباب تقبل الاشاعات الكاذبة: «إن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى تبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله».

ويقول العرب: «لا يعذر الجاهل بجهله»، ويقول العرف: «ان من يعرف قدر نفسه لا يتكلم فيما لا علم له به»، وجاء بالحديث الشريف: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم. ومع كل ذلك فهنالك من يخبط يمنيا وشمالا ويبني مواقف كاملة على معلومات خاطئة أو سطحية أو غير مؤكدة، مفترضا صحتها دون تأكد أو مراجعة أو تمحيص.

جرني إلى هذا القول انني وبعد التأمل في المشهد الحالي أراه مشوها بجدارة، فاقدًا لكل معايير المنطق وأحكامه، وأدبياته، مشهد توارى فيه الحق خلف عباءة الباطل، يكفي أن تكون صاحب صوت أعلى أو لديك زمرة من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي كي تكتسب ثقلا وتأثيرا حتى وإن كنت تافها، أعظم ما تقوله هراء، وغاية إدراكك هباء. والامر من ذلك أن بعض المواقف والتصريحات والكتابات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي أحيانا تصدر عن أناس يفترض بهم العلم والاطلاع والمعرفة والحصافة والقدرة على بناء الآراء والتحاليل والوقوف على المعلومات الصحيحة الدقيقة الموثوقة، فإذا بهم يبنون مواقفهم وآراءهم وتحليلاتهم وكما يقال بالفلاحي على «طراطيش حchي» أو استنادا إلى إذاعة "قالوا أو زعموا" على تردد فيسبوك وتويتر، متناسين التحذير النبوي القائل: "بِئْسَ مَطِيّةُ الرجلِ زَعَمُوا".

إن أردت الاستحواذ على شخص ما فما عليك سوى الاستحواذ على الجزء المفكر والمدبر منه وهو العقل وإن أردت الاستحواذ على ذاك العقل المفكر وأردته خالصا لك فعليك بالتحكم فيما يصل لهذا العقل وأيسر الطرق للتحكم فيما يصل للعقل هي وسائل الإعلام، ويعتبر الإعلام بشكل عام سواء كان قديمًا تهيمن عليه النخبة أم جديدا متمثل بشبكات التواصل الاجتماعي المرجع الأول للشعوب والناقل الرسمي لكل ما يحدث في العالم من أحداث وحركات بل وسكنات وهم جالسون تحت أسقف بيوتهم متكئين على وسائدهم محدقين في هواتفهم. لكن من يدير هذا الناقل هو وحده قادر على تكوين بوصلة لعقلك والهيمنة على تفكيرك بل وغض طرفك عما لا يريد منك رؤيته وإطلاق بصرك نحو ما يريد منك أن تراه.

يقول الصحفي الأمريكي "نيكولاكار" في كتابه الذي يحمل عنوان "قليلو المعرفة"؛ "إن الانترنت صمم ليكون نظام مقاطعة، آلة مجهزة لتشتيت الانتباه، وإن الخدمات المتوفرة على الانترنت مثل فيس بوك ويوتيوب وتوتير وانستغرام وغيرها يطلق عليها سادة التحايل، فهي تنتج بضائع جيدة لا يستطيع الناس التوقف عن استعمالها"، كما ويصف تأثير الانترنت على عقله، فيقول: "لا أستطيع أن أحس بعقلي، فخلال السنوات القليلة الماضية، عندي إحساس بأن هناك شيء ما يحدث بعقلي، يغير خارطة شبكاته العصبية، ويعيد برمجة ذاكرتي".

البداية كانت مع وسائل التواصل الاجتماعي، بلاء هذا العصر التي أفسدت علينا كل مناحي الحياة، فمنذ اللحظة التي بتنا نتعامل مع هذا "الغول التافه" على أنه وسيط لاستقاء الأفكار، وتكوين الآراء، والاتجاهات، بل تعداها لبناء المعتقدات غزانا البلهاء فصدقناهم وشوهوا الوعي والإدراك لدينا، وصرنا نواجه حربا شرسة من أهل الشر تتمثل في السيطرة على العقول وتزييف الوعي العام من خلال بث مفاهيم مغلوطة وكاذبة زرعت اليأس والإحباط في العقول والنفوس وبثت روح الكراهية بيننا، والتشكيك بصورة مستمرة برموز الدولة الخمسة وإظهارها دائما بأنها في أضعف حالاتها.

أمام هذا الغول التافه، والواقع الذي نعيشه، أما آن لنا أن نتوقف ونسأل أنفسنا: كيف لنا أن تعيش حياة باختيارنا نحن، مُتجنبين محاولات الإلهاء والتلاعب بنا من الآخرين؟ كيف لنا أن نعيش بحُرية اليوم وهناك صناعات قائمة على جذب اهتمامنا وبيعه وأفضل طُعم لذلك هو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي؟ كيف لنا ان نواجه تحدي القرن الأكبر وهو كيف نعيش حياتنا والآخرون يعرفوننا أكثر مما نعرف أنفسنا؟ بل بالعكس، أصبح الأخرون يعرفوننا بشكل متزايد باستخدام الذكاء الاصطناعي، والبصمة الرقمية الخاصة بكل واحد فينا. إلى متى سنبقى متابعين برسم البيع لقادة تزييف الوعي، وضحايا لغزو غسيل الادمغة؟

ختاما: واقعنا الذي نعيشه لا يختلف عما جرى لأطفال قرية هاملين الألمانية الذين تبعوا الزّمّار الذي سحرهم بعزف لحنٍ على مزماره دفعهم للمشي خلفه وهم مستمتعون بعزف صاحب المزمار، وهو في الحقيقة يقودهم ليوقع بهم، ولم يدركوا أنهم يسيرون إلى هلاكهم!! وقادهم خارج البلدة إلى مغارة أُغلِقَت وراءهم، ولم يرهم أحد بعد ذلك أبدًا. زمّارنا من طراز آخر ينفخ بمزماره دون كلل او ملل ويلاحقنا في كل الأوقات، والأماكن، فهل نغلق مسامعنا قبل ان تنطبق علينا المغارة؟!!!!!!!!!!
ودمتم بحفظ الله






طباعة
  • المشاهدات: 57674

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم