حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,26 مارس, 2019 م
طباعة
  • المشاهدات: 5325

الوطن و المواطن

الوطن و المواطن

الوطن و المواطن

10-03-2019 11:37 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : اسامة الاسعد
يُقصدُ بكلمة وطن في لسان العرب المَنزل الذي يُقيمُ الفرد به، وهو محل الإنسان وموطنه، وجمعُ وطن أوطان، و يعني الوطن في مختار الصحاح، بأنّه محل الإنسان، أما المواطن فهو الإنسان الذي يستقر في بقعة أرض معينة وينتسب إليها ويكون طرف في علاقة بين المواطنين / الأفراد والدولة، يحددها قانون الدولة. حيث إنه لا يمكن أن تتحقق المواطنة بدون مواطن يعرف جيدا حقوقه و واجباته في وطنه فلا مواطنة بدون مواطن، ولا مواطن إلا بمشاركة حقيقية في شؤون الوطن على مختلف مستوياته.

و قد يخطئ العديدون عندما يُعرّفون المواطنة على أنها حب الوطن، فهذا التعريف مرتبط بمصطلح آخر وهو الوطنيّة، في حين أن المواطنة تعرف على أنّها الصفة التي تُمنح للمواطن والتي تتحدد بموجبها عدة أمور منها؛ الحقوق والواجبات. ومن هنا فإن للمواطنة خصوصيّة ليست لأي صفة أخرى، فهي تتضمن انتماء المواطن لوطنه النابع من حبه له، وخدمته له في كافة الأوقات والأحيان، واحترام المواطنين الآخرين الذين يعيشون معه على الأرض ذاتها، والذين يتقاسم وإياهم الطعام، الشراب، الماضي والحاضر و كذلك المستقبل. وتعتبر المواطنة علاقة محددة ضمن القانون المعمول به في الدولة، حيث تربط هذه العلاقة بين الدولة بكافة أركانها وبين الإنسان الذي مُنح صفة مواطن. وقد فرّقت بعض الجهات بين مفهومي الجنسيّة والمواطنة، حيث إنّ الجنسية تعطي للمواطن حقوقاً إضافيّة؛ كحق حمايته وهو في الخارج من أي اعتداء، في حين لم تفرّق جهات أخرى بين هذين المفهومين.

هذا في التعريف و في اللغة بحسب علماء، و اردت التمهيد بذلك كون بعض التعريفات بحاجة الى اعادة تذكير بمعناها كمفردة النهضة او الإنطلاق على سبيل المثال.
أما في التفصيل فيجب ان تحدد الحقوق و الواجبات للمواطن في وطنه و هنا يأتي دستور الدولة و من بعده القوانين المشتقة منه لتنظم تلك العملية و قد يسمى كل ذلك أيضا بالعقد الاجتماعي. و في التفصيل ايضا يمكن القول بأن العلاقة بين الوطن و المواطن لابد و ان تكون طريق بإتجاهين، إذ تكون الواجبات هي الالتزام بالقوانين و الأنظمة و التعليمات التي من أهمها دفع الضرائب (العادلة المانعة من التهرب) و الرسوم المختلفة للدولة أما حقوقه عليها و الحالة هذه فهي تلقي خدمات لائقة لا سيما في التعليم المجاني و الصحة بشكل أساسي و كذلك النقل العام، ثم تأتي حقوق أخرى لا تقل اهمية كالعدالة في حماية الحقوق كما في الواجبات ضمن سيادة القانون، و كذلك تأمين البنى التحتية المناسبة في البلاد اضافة الى فرض الأمن و حماية الحدود.

كذلك و مقابل المواطنة فإن على الوطن / الدولة خلق فرص العمل عن طريق وضع خطط و آليات تنفذ بكل شفافية حيث يتحتم دعم المشاريع الانتاجية و تشجيعها بالقانون على كافة اراضي الوطن دون ما استثناء، حتى ولو منحت الدولة من املاكها و طاقاتها ما يعزز من الانتاجية، فتلك المشاريع صناعية كانت ام زراعية او في مجالات الخدمات (نقل، سياحة، طاقة و تكنولوجيا)، اذا هذه المشاريع و هؤلاء العاملين فيها بالنتيجة سيكونون مكلفين / ملتزمين بدفع الضرائب (العادلة مجددا) و تحريك الاسواق، و بالتالي تتداخل العمليات في دورات اقتصادية صحية قابلة للتطور و تحقيق النمو الذي سيعود بالنفع على الوطن الذي سيتوسع في دعمه (بسبب الايراد المتنوع) و يطور اساليبه في رفع سوية حياة المواطنين الذين هم ايضا سيتحولون من مجرد مواطنين الى وطنيين، حيث الكل في اطراف المعادلة رابح يستشرف المستقبل، إذ سيتحتم ايضا تشجيع المستثمر المحلي هنا بشكل اساسي، اما العربي و الاجنبي فسيأتون تلقائيا ساعين خلف الاستثمار و الربح في بيئة تشريعية قانونية عادلة، آمنة و مستقرة مشجعة (اسعار طاقة معقولة منافسة، نقل حضاري و عمالة محلية مدربة)، ما سيزيد و يعزز فرص العمل و يقلص البطالة.

و حتى لا يكون كل ذلك مجرد نظريات فإن على الوطن / الدولة الاقتناع التام بالمشاركة و هنا يأتي دور المواطنين ايضا بالإنفتاح على التحزب المحمود، حيث يفتح النقاش ولا ينتهي حول كيفية تحقيق المصالح العليا و توضع الآليات في برامج متكاملة و يتنافس المواطنين على تحقيق الافضل لمستقبلهم و مستقبل اوطانهم ضمن حياة سياسية / حزبية لا بديل عنها ان شاء الوطن ان يتقدم و ينمو هو و ابناؤه على حد السواء، و النتيجة هنا لابد و ان تكون وطن و وطنيين.

و قد يقول قائل هذه احلام وردية، و هنا يكون الرد بأخذ المثل من اليابان التي وقعت على اتفاقية هزيمة و استسلام عام 1945 لم يسبقها احد في ذلك، حيث خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة مدمرة بعد قنبلتين نوويتين و احتلال امريكي، و لكنها يوم وقعت على هزيمتها اتخذت قرارها بخوض معركة المستقبل دون موارد و عانت ما عانت، و الآن هي من الدول المتقدمة في كل مجال، فقط بسبب سيادة القانون و ثقافة تكافؤ الفرص التي اسهمت بفتح ابواب المنافسة فوصلت الدولة الى ما وصلت اليه من تقدم، كان ذلك صعبا، صحيح، و لكنه لم يكن مستحيلا ابدا.

و قد يقول آخر "يا أخي اعداء الامة الغرب ما بسمحولنا"، و الرد هنا يكون: انظر الى تايوان و انظر الى سنغافورة ثم انظر الى دبي، ألم يكن لهم اعداء يحاولون ضرب نجاحاتهم ؟ ألم تقاوم الصين العظيمة نجاح تايوان الهائل و ما تزال ؟ ألم تقف معظم اقتصاديات نمور آسيا ضد نجاح سنغافورة و ما تزال ؟ و هل تصدق ان دول الخليج الفاعلة راضية عن إنجازات دبي و داعمة لها ؟ و هناك امثلة عديدة اخرى في هذا العالم. و السؤال هنا هو: هل التحديات الاقتصادية لدينا اكبر من هذه التي واجهتها تلك الدول ؟ مع انني لا اتفق و مصطلح "تحديات" لدينا حيث لم يصل اقتصادنا الى ما وصل اليه بسبب كارثة طبيعية لا سمح الله.

و عليه، فإن العودة عن ما نحن فيه انما لها علاقة مباشرة اولا بسيادة القانون، ثم العدالة و تكافؤ الفرص، ضرب الفساد بالقانون دون مواربة و إعادة الاموال المنهوبة، تعديل كافة قوانين الجباية الجائرة التي لا تتناسب بشكل من الاشكال مع الخدمات المقدمة ولو بالأساسيات، الشروع في نقل الاقتصاد من حالة الاقتراض و الخمول الى حالة الانتاج و المشاركة، تعديل قانوني الانتخاب و الاحزاب بما يسمح بحياة سياسية ستولد بالضرورة اقتصاديات انتاجية و نمو، و العودة عن الريعية التي راح زمانها الى غير رجعة، إذ ان فرص العمل التي يكثر الحديث عنها اليوم في القطاع العام انما تكرس الريعية و تفاقم من البطالة المقنعة و هي بالتأكيد تزيد من الترهل و من الطين بلة.

اما الحكومة فيجب عليها ان تكون رشيقة و تتخلص من الترهل إذ آن الآوان، و تعمل على خلق بيئات انتاجية استثمارية تنموية خارج اسوارها (في القطاع الخاص) بقوانين عصرية، هذا فقط ما سيقلل من انفاقها المبالغ به و الذي لم يعد يخدم احد بقدر ما ارهق البلاد و العباد، وهذا فقط ما سيزيد من ايراداتها فيمكنها من المضي ان شاءت في رفع سوية الاقتصاد المنتج لا الوهمي، و هكذا يسد الدين و يتقلص العجز مع الوقت، و هذا كله يمكن ان يكون، اما النتيجة مجددا، فستكون وطن و وطنيين يحبون وطنهم، شركاء بالفعل لا بالقول.








طباعة
  • المشاهدات: 5325

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم