06-07-2014 10:49 AM
بقلم : د.محمد عبده حتامله
يقارن هذا هذا الكتاب بين حياة اليهود في ظل حكم المسلمين في الأندلس وحياة المسلمين في ظل حكم اليهود في فلسطين . ويعرض في الباب الأول تاريخ اليهود منذ إبراهيم عليه السلام حتى سقوط الأندلس في أيدي النصارى سنة 897هـ / 1492م . ويقع الباب الأول في أربعة فصول : يتناول الأول تاريخ اليهود قبل الفتح الإسلامي للأندلس ، والثاني : انتشار اليهود في شبه الجزيرة الأيبيرية قبل أن يفتحها المسلمون ، والثالث : العصر الذهبي لليهود في الأندلس ، والرابع : غدر اليهود للمسلمين وأثره على تعامل المسلمين معهم .
ويعرض هذا الكتاب في الباب الثاني تاريخ اليهود منذ سقوط الأندلس في أيدي النصارى حتى الوقت الحاضر ، وذلك في أربعة فصول ، يتناول أولها : ما تعرضوا له على أيدي النصارى الإسبان من تعذيب من محاكم التفتيش، وطرد من الأراضي الإسبانية ، ويتناول الثاني شتائهم ، وخاصة في البلاد الإسلامية ، حيث وافقت الدولة العثمانية على إقامتهم على أراضيها بإستثناء فلسطين . ويتناول الفصل الثالث كيفية بدء الحركة الصهيونية مع نهايات القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي ، ودعوتها إلى ضرورة إيجاد مجتمع يهودي يحكم نفسه في مكان محدد ، واختارت فلسطين لتكون ذلك المكان . بينما يتناول الفصل الرابع أوضاع المسلمين في فلسطين بعد أن احتلها اليهود في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948م .
ويوضح هذا الكتاب كم كان الفرق شاسعاً بين معاملة المسلمين الذين حكموا الأندلس أكثر من ثمانمئة عام لليهود ، وبين معاملة اليهود الذين بدأوا - بمساعدة الاستعمار البريطاني – يرسخون أقدامهم في فلسطين منذ عام 1917م للمسلمين فيها . فعندما فتح المسلمون الاندلس ، رفعوا الاضطهاد الذي وقع على اليهود طوال الحقب السابقة ، وسمحوا لهم بالبقاء على دينهم ، وممارسة شعائرهم ، وتركوا لهم حرية السكن بين المسلمين ، أو في أحياء خاصة بهم ، وأتاحوا لهم فزاولة ما شاءوا من المهن والنشاطات ، وحفظوا أوراحهم وأموالهم وحقوقهم .
وأصبح لليهود في الأندلس – في ظل الحكم الإسلامي – شأنهم حيث نبغ منهم كثيرون في في مجالات الشعر والأدب والفكر والفلسفة ، وتولى بعضهم مناصب عالية ، فكان منهم الوزراء والسفراء والقادة وكبار الموظفين في الدولة الإسلامية .
لقد عاش اليهود في كنف المسلمين عصرهم الذهبي الذي لم يحظوا بمثله في تاريخهم ، ويدل أن يقدروا ذلك كانوا – كما يوضح هذا الكتاب – يغدرون بالمسلمين ، ويكيدون لهم ، ويتآمرون ضدهم ، ويساعدون الإسبان في حروبهم الصليبية التي شنوها ضد الإسلام . كما كانوا يستغلون سقوط المدن الأندلسية في أيدي النصارى للتنكيل بأهلها المسلمين ، وكانوا في ذلك أشد عداوة وضراوة من النصارى . وصدق الله تعالى إذ يقول ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ... ) فأنظر كيف قدمهم في عداوتهم للإسلام والمسلمين على المشركين !
وقد كان ما فعله اليهود ويفعلونه بمسلمي فلسطين امتداداً لما فعلوه بمسلمي الأندلس . والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى ، ومن امثلتها مذبحة قريتي اليخ وحواسة في كانون الثاني عام 1948م ومذبحة قرية سعسع في 14-15 شباط عام 1948م ومذبحة دير ياسين في 9 نيسان عام 1948م وغيرها كثير ، وإلى جانب المذابح مارس اليهود ضد المسلمين في فلسطين كل أنواع التنكيل والاضطهاد .
وينتهي هذا الكتاب بخاتمة تتضمن مقارنة بين التاريخين ، تاريخ اليهود في الاندلس بعد أن فتحها المسلمون وعاشوا في ظلمهم ، وتاريخ المسلمين في فلسطين بعد أن احتلها اليهود واضطر كثيرون منهم ، أي المسلمين ، للبقاء على أرضه فيها .
ولا يهدف هذا الكتاب إلى كشف الحقائق المتعلقة بتسامح المسلمين مع غيرهم ، وخاصة أهل الكتاب ، انطلاقاً من الدين الإسلامي الذي أمر بالتسامح ، ولا إلى كشف الحقائق المتعلقة بأخلاق اليهود ، وطريقة تعاملهم مع غيرهم من الشعوب انطلاقاً من تسويقهم فكرة أنهم شعب الله المختار على العالم . فهذه الحقائق وتلك مكشوفة معروفة ، وإنما يهدف إلى التذكير ببعض الحقائق المتعلقة باليهود ، لكي يدرك الناس كافة أن هؤلاء المغضوب عليهم ، الذين باءوا بغضب الله تعالى سيظلون لهنة تلاحق العالم كله إلى أن يتنبه ويفيق من غفلته ، ويعمل على التخلص من طغيانهم وظلمهم .
وليعلم العالم كله ، وأهل فلسطين من المسلمين والعرب بخاصة ، أن اليهود لا يحترمون عهداً ولا يلتزمون بميثاق . قال تعالى ( أو كلّما عاهدوا نبذه فريق منهم ... ) زهذا قول ما بعده قول ، لعل الواهمين من المفاوضين يفيقون من سباتهم ويعلمون أن لا جدوى من أي اتفاقات سلام توقع مع اليهود الغاصبين المحتلين ، لأنهم سينقضونها ولن يحترموها ، حتى إن وقعت .
بقي أن أشير إلى أنني أثرت أن أضمن هذا الكتاب عدداً من الصور التي توثق بعض جوانب حضارة المسلمين في الأندلس التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا ، إلى اجنب عدد آخر من الصور التي توثق المجازر والمذابح التي ارتكبها اليهود في فلسطين بحق الأبرياء من المسلمين والعرب .
اللهم انفعنا بما علمتنا ، وعلمنا ما ينفعنا .
والله من وراء القصد .
المؤلف
الأستاذ الدكتور محمد عبده حتامله
قسم التاريخ / كلية الآداب
الجامعة الأردنية