18-04-2026 08:27 AM
بقلم : ماجد الفاعوري
أنا أردني وكفى ليست مجرد جملة تُقال في لحظة حماس بل هي حدٌ فاصل بين من يفهم الوطن كقدر تاريخي لا يُساوم عليه وبين من يتعامل معه كمساحة قابلة لإعادة التعريف كلما تغيّرت المصالح في زمن تتكاثر فيه السرديات وتتنازع فيه الهويات ويُعاد فيه تشكيل الوعي عبر الإعلام والمنصات تصبح هذه الجملة موقفًا سياسيًا مكتملاً لا مجرد تعبير عاطفي لأنها تعيد ترتيب الأولويات وتضع الوطن في مركز المعادلة لا على هامشها وتفرض سؤالًا حادًا على كل خطاب من أين يبدأ ولمن ينتهي
أنا أردني وكفى ليست مجرد صيحة انفعال ولا جملة تصلح للخطابة الموسمية بل هي تعريف سياسي كامل للذات حين ترفض أن تُختزل في الهويات الصغيرة أو الاصطفافات المؤقتة أو مزاج اللحظة إنها تقول بوضوح إن الوطن ليس هامشًا في الوعي العام بل هو المركز الذي تُقاس عنده المواقف وتُفهم من خلاله المصالح وتُوزن به الكلمات قبل أن تُقال ومن هنا تصبح الوطنية موقفًا من العدالة والكرامة والمؤسسات والجبهة الداخلية قبل أن تكون انفعالًا عابرًا أو تزويقًا لغويًا
وحين نضع هذه الفكرة في سياقها الأردني فإننا لا نتحدث عن شعار مجرد بل عن خبرة دولة تعيش تحت ضغط الإقليم وتبدلاته وتحتاج في كل مرحلة إلى لغة واحدة تمنع التشقق الداخلي وتُبقي البوصلة متجهة نحو المصلحة الوطنية العليا لذلك فإن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الصوت بل بصلابة الموقف عند الأزمات وبالقدرة على حماية الداخل من الشائعات والاختراقات وبالتمسك بمفهوم المواطنة الفاعلة الذي يربط الإنسان بوطنه لا بمزاج عابر ولا برهان خارجي
وفي هذا المعنى يجيء ناهض حتر شاهدًا على فكرة الدولة لا على فكرة الضجيج فقد ارتبط اسمه، في القراءة الأردنية اللاحقة، بالدفاع عن دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون والأمان، وهي مفردات ليست ترفًا بل أساس أي مشروع وطني جاد واللافت في هذا المعنى أنه ينقل النقاش من الانتماء العاطفي إلى الانتماء المؤسسي، أي من حب الوطن بوصفه شعورًا إلى حمايته بوصفه نظامًا سياسيًا وأخلاقيًا
أما روكس العزيزي فقد كتب للذاكرة الأردنية لا للزينة الثقافية، وكان كما تصفه الدستور حارسًا للتراث الأردني وراويًا لروحه، ومن أجمل ما يُستعاد في دلالته قوله إن تراثنا هو هويتنا
وهذه العبارة وحدها تكفي لتفكيك كثير من الالتباس؛ لأن من يفصل الهوية عن الذاكرة يفصل الشجرة عن جذورها، ومن يستخف بالتراث يفتح الباب أمام التبعية الثقافية والتشظي الرمزي
لذلك فإن الدفاع عن الوطن ليس دفاعًا عن الماضي بوصفه ماضيًا، بل عن المعنى الذي يمنح الحاضر تماسكه والمستقبل شكله
ويأتي سميح المعايطة من زاوية سياسية مباشرة وأكثر التصاقًا بلغة الدولة حين يؤكد أن الأردن لن يسمح باختراقه، وأن رد العدوان أو الاعتداء لا يكتمل بالتصريحات وحدها بل بحماية الداخل ورفع مناعة المجتمع
وهذه الفكرة مهمة لأنها تنقل الوطنية من خانة التفاعل الوجداني إلى خانة اليقظة السياسية، فالوطن لا يُحمى بالهتاف فقط بل بالوعي، ولا يُصان بالمجاملات بل بالوضوح، ولا يستقر إذا تُرك فريسة للانقسام أو التشكيك أو العبث بالسردية الوطنية
ومن هنا فإن القول أنا أردني وكفى لا يعني إلغاء العائلة ولا الانتقاص من الروابط الإنسانية ولا مفاضلة جافة بين الأم والخالة، بل يعني ترتيب الأولويات في مكانها الصحيح. فالأم تظل أمًا والقرابة تظل قرابة، لكن الوطن هو البيت الأكبر الذي يضم الجميع ويصون الجميع ويمنح الجميع معنى الاستمرار. ومن لا يفهم هذه الحقيقة سيظل يتعامل مع الدولة كغنيمة، ومع الهوية كملف قابل للمساومة، ومع السياسة كمساحة لتصفية الحسابات بدل أن تكون فن حماية الكيان العام
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس ضعف الموارد فقط بل ضعف المعنى، لأن الجسد الوطني قد يصمد زمنًا طويلًا إذا بقي المعنى حاضرًا، لكنه يترنح سريعًا حين يتآكل الإيمان بالوطن كقيمة عليا لذلك فالمعركة الحقيقية ليست بين خطاب وآخر فقط بل بين سردية جامعة وسرديات تمزق الوعي، وبين دولة تريد مواطنًا شريكًا ودولة تُترك فيها المساحات للفوضى الرمزية وفي هذا السياق يصبح الأردن بحاجة دائمة إلى خطاب وطني عاقل يوازن بين الحب والنقد وبين الانتماء والمساءلة وبين حماية الثوابت وتجديد أدوات الدفاع عنها
أنا أردني وكفى،
ليست جملة انغلاق بل جملة وضوح هي إعلان أن للوطن حقًا سابقًا على الجدل، وأن لكل ما عداه مكانه الطبيعي بعده لا قبله، وأن الكرامة الوطنية ليست شعارًا يُقال عند الحاجة بل عقدًا لا ينفصم بين الإنسان وأرضه وتاريخه ومستقبله ومن هذا الباب فقط يمكن فهم السياسة على حقيقتها:
حماية للوطن قبل أن تكون توزيعًا للمواقف، وصيانة للمعنى قبل أن تكون إدارة للحدث
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
18-04-2026 08:27 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||