09-04-2026 10:33 AM
بقلم : ماجد الفاعوري
ليس الخلاف على فلسطين خلافًا في الدم ولا في النسب ولا في العاطفة لأن هذه أبواب لا تُبنى عليها الدول ولا تُحاكم بها السياسة
الخلاف الحقيقي هو على من يملك حق الكلام باسم القضية ومن يحوّلها إلى رأس مال انتخابي ومن يضعها في فم الخطابة ثم يتركها في يد المساومة
فلسطين قضية شعب حي وحق مغتصب وعدالة مؤجلة لكن هذا لا يمنح أحدًا صك الوصاية عليها ولا يبيح لأحد أن يستخدمها لتفكيك المعنى الأردني أو لتذويب الدولة في الشعارات
والأردن دولة قائمة لا تُعرَّف بالانفعال بل بالدستور والمؤسسات والقانون
والنص الدستوري نفسه يقرر أن الأردنيين متساوون أمام القانون بلا تمييز وأن تشكيل الأحزاب مشروط بالعمل المشروع السلمي لا بالاستقواء على الدولة ولا باختطاف القضايا العامة لمصلحة جماعة بعينها
كما أن مجلس النواب يحتفظ أصلًا بلجنة فلسطين ومهمتها متابعة التطورات السياسية المتعلقة بفلسطين والقدس واللاجئين والعلاقة بين الأردن وفلسطين وهذا وحده يكفي لفضح الادعاء بأن الشأن الفلسطيني خارج المجال السياسي الأردني أو أن الحديث عنه طارئ على الدولة الأردنية
غير أن وجود قنوات رسمية لمتابعة فلسطين لا يعني تحويل فلسطين إلى قناع حزبي
فالقضية العادلة تفسد حين تتحول إلى شعار استهلاكي
وتضعف حين تصبح منصة لتوزيع الوطنية على الآخرين واتهامهم بالنقص إذا رفضوا الانخراط في المسرح ذاته
هنا بالضبط يصبح كلام بندكت أندرسون ذا دلالة عميقة حين يقرر أن الجماعات الوطنية لا تُعرَّف بصدقها أو زيفها بل بالطريقة التي تُتخيَّل بها وأن أعضاء الأمة لا يعرف بعضهم بعضًا ومع ذلك يحمل كل واحد منهم صورة الجماعة في وعيه
فالأمم إذن ليست وهمًا فارغًا ولا قداسة فوق النقد لكنها أيضًا ليست ملكًا خاصًا لمن يرفع الصوت أعلى من غيره
ومن هذا الباب يمكن فهم تحذير إرنست غلنر من أن مبدأ الدولة الواحدة والثقافة الواحدة يفرض ضغطه على السياسة حين لا ينسجم مع الواقع الاجتماعي لأن العبث بالهوية لا يصنع وطنًا بل يصنع توترًا دائمًا بين المجتمع والدولة
والأهم من ذلك أن الدفاع عن فلسطين لا يكتمل بالهتاف ولا يُقاس بعدد الميكروفونات
إدوارد سعيد كان أكثر دقة حين شدد على أن وظيفة النقد هي أن يميز وأن يصنع الفروق حيث لا توجد فروق وأن نصرة الحقوق الفلسطينية لا تعني الاصطفاف مع أي بنية استبداد عربية ولا مع أي توظيف رخيص للقضية
وهنا تكمن المأساة
فمن يرفع شعار فلسطين ثم يستخدمه لتمزيق الإجماع الأردني أو لتأليب الأردني على دولته إنما يخون فلسطين مرتين
مرة حين يحولها إلى وسيلة
ومرة حين يسحب عنها أخلاقها الكبرى
لأن فلسطين لا تحتاج إلى تجار بل إلى حراس معنى
ولا تحتاج إلى خطباء يزايدون عليها بل إلى عقول تحفظ لها مكانتها من السقوط في سوق المزايدة السياسية
الأردن لم يكن يومًا ضد فلسطين
بل كان وما يزال يرى أن القضية الفلسطينية قضية عادلة ومركزية في الإقليم وأن مؤسسات الدولة تنظر إليها بوصفها شأنًا وطنيًا وإنسانيًا لا بوصفها دكانًا حزبيًا
لكن من يريد خدمة فلسطين حقًا فليبدأ من احترام الأردن دولةً ومجتمعًا ومؤسسات
ومن يريد حماية فلسطين حقًا فليحذر من تحويلها إلى أداة لابتزاز الداخل الأردني أو لفرض الوصاية عليه
لأن الشعوب لا تُبنى على الإلغاء
والأوطان لا تُصان بالازدواج
والحق لا ينتصر حين يخرج من فم الزيف
بل حين يقف على أرض صلبة من العقل والعدل والمسؤولية
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
09-04-2026 10:33 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||