07-04-2026 12:23 PM
بقلم : د. محمود الحبيس
الحلقة الثانية: حين تتحول الحوكمة إلى سلطة… ويضيع التوازن
إذا كان الإصلاح الحقيقي يُقاس بقدرته على إعادة التوازن إلى المنظومة، فإن أخطر ما يمكن أن يُصيب أي تشريع هو أن يُخلّ بهذا التوازن تحت ذريعة التنظيم. فالقوانين، في جوهرها، ليست أدوات للسيطرة، بل أطر لضبط العلاقة بين السلطات، وضمان عدم تغوّل جهة على أخرى، وتحقيق ما يُعرف في الفقه الإداري بمبدأ التوازن المؤسسي.
من هنا، فإن القراءة الدقيقة لمشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام 2026، تكشف عن تحوّل عميق لا يقتصر على تعديل الصلاحيات، بل يمتد إلى إعادة تشكيل بنية الحوكمة ذاتها، بطريقة تميل إلى تركيز السلطة بدل توزيعها، وإلى الدمج بدل الفصل، وإلى التوحيد بدل التخصص.
ولعل أبرز ما يلفت النظر في هذا المشروع، هو الانتقال من نموذج يقوم على تعددية مؤسسية متوازنة، إلى نموذج يقترب من الاحتكار التنظيمي، حيث تُجمع الصلاحيات الأساسية في يد جهة مركزية واحدة، تتولى رسم السياسات، ومنح التراخيص، وضبط الجودة، وممارسة الرقابة، بل وفرض العقوبات. وهنا لا نتحدث عن مجرد توسيع في الاختصاص، بل عن إعادة تعريف لدور الجهة المنظمة، بحيث تتحول من منظّم إلى فاعل مهيمن.
في القانون النافذ، كانت المنظومة تقوم على توزيع وظيفي واضح، يُسند لكل جهة دورًا محددًا، فالوزارة تضطلع برسم السياسات العامة، ومجلس التعليم العالي يتولى التنظيم والإشراف، فيما تختص هيئة الاعتماد بضمان الجودة. هذا التوزيع لم يكن تفصيلًا شكليًا، بل كان تجسيدًا عمليًا لمبدأ الفصل الوظيفي، الذي يضمن وجود رقابة متبادلة، ويمنع تركز القرار في يد جهة واحدة.
أما في المشروع المقترح، فإن هذا التوازن يكاد يتلاشى، لتحل محله بنية مركزية تُمسك بكل الخيوط، فتضع القاعدة، وتطبقها، ثم تحاسب عليها. وهذا النمط، في الفقه الإداري، يُعد من أخطر أشكال التنظيم، لأنه يُلغي عمليًا مفهوم الرقابة، ويحوّلها إلى إجراء داخلي لا يملك استقلاليته.
والأخطر من ذلك، أن هذا التركيز لا يقف عند حدود توزيع الصلاحيات، بل يمتد إلى طبيعة الوظيفة ذاتها، حيث يتم دمج أدوار يفترض أن تبقى منفصلة بطبيعتها. فالجهة التي تمنح الترخيص، هي ذاتها التي تراقب الأداء، وهي ذاتها التي تفرض العقوبة. وفي هذا الدمج، ينشأ تضارب بنيوي لا يمكن تجاهله، لأن الجهة التي تصدر القرار، تصبح في موقع الدفاع عنه، حتى لو ثبت لاحقًا أنه كان خاطئًا.
إن هذه الحالة تُنتج ما يُعرف إداريًا بـ"تضارب الأدوار"، حيث تختلط وظيفة المنظّم بوظيفة المنفّذ، وتذوب الحدود بين الرقابة والتنفيذ، وهو ما يضعف المساءلة، ويجعل القرارات أقرب إلى التبرير منها إلى التصحيح. فكيف يمكن لجهة أن تعترف بخطأ في قرارٍ هي من أصدرته؟ وكيف يمكن أن تمارس رقابة حقيقية على نفسها؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك إلى إلغاء التخصص المؤسسي، وهو أحد أهم ركائز الإدارة الحديثة. فالمشروع المقترح يُسند لجهة واحدة مسؤوليات تمتد من التعليم العام إلى التعليم العالي، مرورًا بالتدريب المهني والإطار الوطني للمؤهلات. وهذا التوسع، في ظاهره توحيد، لكنه في حقيقته تسطيح للمعايير، لأن كل قطاع من هذه القطاعات يمتلك خصوصيته، وأدواته، ومعاييره التي لا يمكن اختزالها في نموذج واحد.
إن التعامل مع مناهج مدرسية لا يشبه تقييم برامج دكتوراه، والإشراف على تدريب مهني لا يوازي اعتماد برامج أكاديمية بحثية. وحين تُجمع هذه المهام تحت مظلة واحدة، فإن النتيجة الطبيعية هي قرارات عامة تفتقر إلى العمق، ومعايير موحّدة لا تعكس الفروق الحقيقية بين القطاعات.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين ننظر إلى طبيعة التمثيل داخل هذه البنية الجديدة، حيث يغلب الطابع الإداري والسياسي على حساب الخبرة الأكاديمية المتخصصة. فحين يصبح اتخاذ القرار الأكاديمي محكومًا باعتبارات إدارية أو ظرفية، فإن النتيجة الحتمية هي تراجع جودة القرارات، وانحسار دور الخبرة العلمية، لصالح منطق الإدارة العامة.
وهنا تحديدًا يبدأ التعليم بفقدان روحه، لأنه لم يعد يُدار بعقل أكاديمي، بل بعقل إداري، ولم يعد يُبنى على المعرفة، بل على الإجراءات.
أما على مستوى الجامعات، فإن هذا التحول ينعكس مباشرة على استقلاليتها، التي تُعد حجر الزاوية في أي نظام تعليمي متقدم. فالمشروع، من خلال تعزيز المركزية، يفتح الباب أمام تدخل مباشر في تفاصيل العمل الأكاديمي، من البرامج إلى القبول إلى الحوكمة الداخلية. وهذا لا يعني تنظيمًا، بل تقييدًا، ولا يؤدي إلى ضبط الجودة، بل إلى إبطاء التطوير.
فالجامعة التي تحتاج إلى موافقات مركزية لكل خطوة، تفقد قدرتها على التفاعل مع المتغيرات، وتصبح أسيرة إجراءات لا تنتهي، في عالم يتغير بوتيرة متسارعة. وهنا تتحول الجامعات من مؤسسات منتجة للمعرفة، إلى وحدات تنفيذية تنتظر القرار.
وإذا أضفنا إلى ذلك غياب الضوابط الواضحة التي تحكم هذه الصلاحيات الواسعة، تتضح الصورة أكثر. فالمشروع يمنح سلطات كبيرة، دون أن يقابلها بمعايير دقيقة، أو أدوات رقابة مستقلة، أو آليات مساءلة فعالة. وهذا يفتح المجال أمام قرارات تقديرية غير منضبطة، ويضعف من مستوى الشفافية، ويزيد من احتمالات التباين في التطبيق.
كما أن مركزية القرار، بهذا الشكل، لا تخلق فقط إشكالية قانونية، بل تفرز آثارًا تشغيلية ملموسة، حيث يؤدي تراكم الطلبات لدى جهة واحدة إلى بطء في الإجراءات، وتأخير في اعتماد البرامج، وتعطيل لمصالح الطلبة، واختناقات إدارية قد تمتد آثارها إلى كامل المنظومة.
وعند هذه النقطة، يصبح من الواضح أن القضية لا تتعلق بمجرد تعديل في بنية القانون، بل بتحول في فلسفة الإدارة ذاتها، من نموذج يقوم على التوازن والتخصص والاستقلالية، إلى نموذج يميل إلى التركيز والتوحيد والمركزية.
إن ما يُطرح اليوم، تحت عنوان الإصلاح، قد يحمل في طياته إعادة إنتاج لنموذج إداري أثبتت التجارب محدودية قدرته على مواكبة التطور، بل وقدرته على تعطيله. فالإصلاح لا يكون بجمع السلطات، بل بتوزيعها، ولا يكون بإلغاء الفروق، بل بإدارتها، ولا يكون بتقييد المؤسسات، بل بتمكينها ضمن إطار رقابي رشيد.
وفي الحلقة القادمة، سننتقل إلى مستوى أعمق من التحليل، لنكشف كيف أن هذا المشروع لا يكتفي بإعادة تشكيل الحوكمة، بل يتجاهل جوهر الأزمة الحقيقية، المتمثلة في جودة المخرجات، وعلاقتها بسوق العمل، والتحديات التي تهدد مستقبل التعليم الأردني وسمعته الدولية.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
07-04-2026 12:23 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||