حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,4 أبريل, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6497

م صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحول المنهجية إلى شعار… وتغيب الدولة عن ذاتها

م صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحول المنهجية إلى شعار… وتغيب الدولة عن ذاتها

م صلاح طه عبيدات يكتب: حين تتحول المنهجية إلى شعار… وتغيب الدولة عن ذاتها

04-04-2026 10:59 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : م. صلاح طه عبيدات
في الدول التي تُحسن الإصغاء لنبض مؤسساتها، لا يكون الفساد مجرد انحراف طارئ، بل مؤشرٌ فلسفي على خللٍ أعمق في العلاقة بين السلطة والمعنى، بين الوظيفة والغاية، بين النصّ والتطبيق. أما في واقع بعض المؤسسات، فإن ما يُسمّى بـ“منهجية الفساد الإداري” لم يعد مجرد موضوعٍ نظري، بل صار — في مفارقة مؤلمة — جزءًا من البنية الصامتة التي تُدار بها الأشياء.


تبدو الخطوات الإصلاحية، على أناقتها النظرية، كأنها تُمارَس في عالمٍ موازٍ لا يمتّ بصلة إلى يوميات المواطن. فحين نتحدث عن “جمع البيانات وتحليلها”، هل نعني فعلًا بياناتٍ حيّة تُستقى من معاناة الناس، أم مجرد أرقامٍ تُزيّن التقارير الرسمية؟ وحين تُجرى “الاستبيانات والاستطلاعات”، هل تُصاغ لتكشف الحقيقة، أم لتُطمئن صانع القرار بأن كل شيء “تحت السيطرة”؟ هنا، يتحول العلم إلى أداة تجميل، لا إلى وسيلة كشف.

أما “تحليل الإطار القانوني”، فهو يقف غالبًا عند حدود النصوص، دون أن يجرؤ على مساءلة التطبيق. فكم من قانونٍ متينٍ في بنيته، هشٍّ في ممارسته! وكم من تشريعٍ وُضع لمحاربة الفساد، فصار — بفعل الثغرات أو الانتقائية — مظلةً لحمايته! إن المشكلة ليست في ندرة القوانين، بل في انتقائية العدالة، حيث يُحاسَب الضعيف ويُستثنى النافذ.

وفي محور “تطوير السياسات والإجراءات”، تتجلى المفارقة الأوضح: تُكتب مدونات السلوك، وتُعقد الدورات التدريبية، وتُرفع شعارات النزاهة، لكن دون أن تُترجم إلى ثقافة مؤسسية حقيقية. فالسلوك الوظيفي لا يُصاغ بالقرارات، بل يُبنى بالقدوة. وحين يغيب النموذج النزيه في قمة الهرم، تصبح كل محاضرات النزاهة مجرد تمرينٍ لغوي لا أكثر.

ثم نصل إلى “تعزيز الشفافية والمساءلة”، وهو المبدأ الذي يُفترض أن يعيد الثقة بين المواطن والدولة. غير أن الشفافية تُختزل أحيانًا في نشر معلوماتٍ مجتزأة، أو في إتاحةٍ شكلية لا تمكّن المواطن من الفهم أو المساءلة. أما قنوات الإبلاغ عن الفساد، فتبقى — رغم وجودها — محاطةً بهواجس الخوف، في ظل ضعف الحماية الفعلية للمبلّغين.

وفي جانب “الرقابة والتدقيق”، تتكرر الإشكالية ذاتها: وجود هياكل رقابية، يقابله ضعف في الاستقلالية أو الجرأة. فالتدقيق الذي لا يملك سلطة المساءلة، يتحول إلى طقسٍ إداري، لا إلى أداة إصلاح. والتقارير التي تُكتب ولا تُقرأ، أو تُقرأ ولا يُعمل بها، تصبح جزءًا من أرشيف النسيان.

أما “تثقيف وتدريب الموظفين”، فهو بلا شك ركيزة أساسية، لكنه يفقد معناه حين يُفصل عن بيئة العمل. فكيف نطلب من الموظف أن يكون نزيهًا، في بيئةٍ تكافئ الولاء على حساب الكفاءة، وتُعلي من شأن العلاقات على حساب القانون؟ إن التدريب، في هذه الحالة، يشبه زرع بذورٍ في تربةٍ فاسدة.

ويبقى “التعاون الدولي” و“تقييم الفعالية والتكيف” كعناوين براقة، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى إرادة داخلية حقيقية. فالإصلاح لا يُستورد، بل يُبنى من الداخل، من لحظة اعتراف صادقة بأن الخلل ليس في التفاصيل، بل في الفلسفة التي تُدار بها المؤسسات.

إن القصور في أداء بعض مؤسسات الحكومة ليس عجزًا تقنيًا، بل أزمة رؤية. هو نتيجة لانفصالٍ تدريجي بين الدولة كمفهوم، والمؤسسة كأداة، والمواطن كغاية. وحين تُفقد هذه العلاقة توازنها، تتحول الخدمة العامة إلى عبء، والإدارة إلى بيروقراطية، والقانون إلى نصٍّ بلا روح.

لذلك، فإن أي حديث عن مكافحة الفساد أو تحسين الأداء، لا بد أن يبدأ من سؤالٍ فلسفي بسيط وعميق في آن: لماذا وُجدت هذه المؤسسة أصلًا؟
فإن لم يكن الجواب هو “خدمة الإنسان بكرامة وعدالة”، فكل منهجية — مهما بلغت دقتها — ستبقى حبرًا على ورق، في دولةٍ تتقن كتابة الخطط… وتُخفق في عيشها.











طباعة
  • المشاهدات: 6497
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
04-04-2026 10:59 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل تنجح الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت الطاقة في إيران بإسقاط النظام أو التعجيل باستسلامه؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم