02-04-2026 04:29 PM
بقلم : د. مفضي المومني
لم يعد الحديث عن حالات انتحار بين طلبة الطب او المقيمين وآخرها اليوم… مجرد خبر عابر، بل أصبح مؤشراً مقلقاً يستدعي الوقوف أمامه بجدية ومسؤولية من قبل الجامعة والإدارات المعنية والحكومة. فطالب الطب أو الاطباء المقيمين، يُفترض أن يكونوا مشروع إنقاذ للحياة، يصبحون أحياناً عاجزين عن إنقاذ ذاتهم..!، وهذه مفارقة قاسية تعكس خللاً عميقاً يتجاوز الفرد ليطال البيئة الاكاديمية والتعليمية والاجتماعية برمتها… وتمتد إلى المجتمع.
معروف أن دراسة الطب مطلب اجتماعي قبل أن يكون انساني...ويأتي في أولوية التخصصات التي يطمح بها الطلبة والأهالي… لما تمثله المهنة الانسانية من قيمة اجتماعية.
ومعروف أن قضية ضغط الدراسة وطول أوقات التدريب في كليات الطب ليس جديداً، لكن الجديد هو تضخم هذا الضغط دون وجود منظومات دعم نفسي وارشاد اكاديمي واجتماعي حقيقية وفاعلة ومفعلة وتتابع الطلبة والاطباء المقيمين وتتلمس اوضاعهم ومشاكلهم.
دراسة الطب تحمل المنافسة الحادة بين الطلبة وهم من المتفوقين أصلاً واصحاب المعدلات العليا في الثانوية العامة، وتحمل الخوف من الفشل لأن النظام التعليمي قاسٍ جدا وحمل مادة دراسية يعني إعادة السنة كاملة، ولا ننسى التوقعات العالية من الأسرة والمجتمع والتي تنتج ضغوط نفسية عالية وكلها عوامل تتراكم على الطالب حتى تصل إلى حد الاختناق النفسي والمرض النفسي… والوصول لدرجة الانتحار. وهنا، لا يمكن اختزال المشكلة في “ضعف فردي” كما قد يروج البعض فالطلبة والاطباء المقيمين هم بشر في النهاية… ولديهم حاجات للآمان وحاجات جسدية ونفسية ومجال عملهم صعب… ويتأثرون بكل ما حولهم ولو لم نرى ذلك، وقد توصلهم هذه البيئة لتي تفتقر إلى التوازن بين التحصيل الأكاديمي والصحة النفسية إلى ظاهرة الانتحار التي تكررت وفجعنا بها كل مرة أو خلق شخصيات غير متزنة تعاني وتؤثر معاناتها فيهم وبسلوكهم وبمن حولهم.
وهنا ومن مشاهداتي.. ومما نعرف، بعض (ولا اقول كل..!) اساتذة الطب، يتعاملون بقسوة ومن برج عاجي مع طلبة الطب… وكنت شاهداً على بعض تصرفاتهم مع الطلبة ( من زجر… او بهدله أو استهزاء وامام المرضى والناس… وعلى امور بسيطة مثل لبس مريول الطب..!) ولا ننسى الضغوط الدراسية…وطول فترات التدريب والدوام…والقضية الاخرى والتي ارى أنها غير انسانية ابداً… قضية الاقامة ودفع مبالغ وواسطات لتحصيلها… وعدم تقاضي أي اجر وطول فترات المناوبة… وكأن من قبل وقرر ذلك لا يعلم أن البعض يستدين لدفع بدل الاقامة… وأن الغالبية من عائلات مستورة وبدخل محدود تستدين اجرة المواصلات… فأي ظلم وغبن يشعر به الطبيب المقيم تحت هذه الظروف التي تصل حد العمل بالسخرة أو العبودية.. ألا يشكل ذلك ضغطاً نفسياً كبيراً يقود إلى ما بعده…! اعتقد ان هذا الموضوع يجب أن يعالج فوراً ومن منظور المصلحة الوطنية ومصلحة أبناءنا الذين يعانون وقد يصلوا إلى الانتحار… ثم نحزن عليهم… ويذهب كبار القوم للتعزية… وتنتهي المهمة بانتظار منتحر آخر…!.
السؤال الأهم: أين دور المؤسسات الأكاديمية ؟ وهل يكفي أن نفاخر بمخرجات أكاديمية قوية دون أن نلتفت إلى كلفة ذلك على الإنسان نفسه؟ الجامعة ليست فقط مكاناً للتعليم، بل فضاء للرعاية والتوجيه وبناء الشخصية. وعندما يغيب هذا الدور، تتحول إلى بيئة مسمومة طاردة بدلاً من أن تكون حاضنة للطلبة تهتم بكل أمورهم… وتقرأ فيهم شخصياتهم وانسانيتهم التي يجب أن تصان وتراعى بالتوازي مع جودة التعليم.
قضية أخرى؛ ثقافة المجتمع تجاه الصحة النفسية ما زالت قاصرة؛ فطلب المساعدة النفسية والانسانية يُنظر إليه غالباً كضعف، وهذا بحد ذاته عائق خطير يمنع الطلبة من الإفصاح عن معاناتهم...وهنا يأتي دور الإدارات الجامعية والأساتذة في تقبل الطلبة واظهار الاحترام والتعامل الانساني معهم… وعدم التعامل معهم بفوقية وتسلط وإشاعة أجواء التهديد والوعيد، والطالب لا يستطيع محاورة مدرسه أو ادارته… لانه يخاف… من النتائج… والترسيب وغيره..، العلاقة يجب أن تبنى على الاحترام ويجب أن يفهم ذلك المدرس قبل الطالب..!.
ويبدو أننا بحاجة لتغيير مفاهيم القوة والسيطرة والهيمنة لبعض المدرسين والإداريين… وكذلك نحن بحاجة إلى إعادة تعريف القوة التي نحاول الظهور بها كسمة لاثبات الذات… رغم الوجع الداخلي، لتشمل القدرة على الاعتراف بالألم وطلب الدعم.
إن معالجة ظاهرة الانتحار تتطلب مقاربة شمولية: بيئة تعليمية غير مهددة، تطوير خدمات الإرشاد النفسي داخل الجامعات، تدريب الكوادر الأكاديمية على الأساليب التربوية المسلكية للتدريس… ولا يكفي العلم بالتخصص لممارسة التعليم..!، اكتشاف المؤشرات المبكرة لدى الطلبة، تخفيف حدة التنافس غير الصحي، وتعزيز ثقافة إنسانية ترى الطالب إنساناً؛ قبل أن يكون رقماً أو معدلاً...ولا ننسى الجوانب الأخرى والاوضاع المالية للطلبة والمقيمين والضغوطات الاجتماعية…!، ما الذي يمنع الاساتذة الاطباء من التنازل عن نسبة من مخصصاتهم لصالح المقيمين الذين نجدهم حول المريض ولا نجد أساتذتهم.. الطب مهنة إنسانية أولاً قبل أن تكون مهنة للتجارة والإثراء من قبل البعض ممن كرسوا ذلك..!.
ختاماً، حماية طلبتنا والعاملين في اشرف المهن… مسؤولية وطنية، لا تحتمل التأجيل ولا المجاملة… فخسارة شاب أو شابة هي خسارة لمستقبل بأكمله...!.
فهل تبادر جامعاتنا وبالأخص الاردنية لدراسة لا تحتمل الانتظار، تضع حداً لنزف الطاقات وحوادث الانتحار التي اصبحت ظاهرة تتكرر أمام أعين الجميع… حمى الله الاردن.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
02-04-2026 04:29 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||