حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,29 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5092

وليد معابرة يكتب: شعوبُ المطمطة والحكْحكَة ..

وليد معابرة يكتب: شعوبُ المطمطة والحكْحكَة ..

وليد معابرة يكتب: شعوبُ المطمطة والحكْحكَة ..

28-03-2026 09:48 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : ‏الكاتب الساخر وليد معابرة
يقول الراوي: إنَّه ضمن فترة الانتداب البريطاني؛ كان هناك ضابط إِنجليزي يأتي كلَّ صباح ليوقظ الجنود العرب من أجل الالتحاق بالطابور الصباحي وممارسة التدريبات الرياضيَّة؛ ثم الانطلاق إلى أداء الأعمال الموكولة إِليهم، وقد كان الجنود –آنذاك- يستجيبون لندائه إلا أنَّهم كانوا يستيقظون استيقاظاً غير مكتمل، فقد كان معظمهم -قبل أن يقوم من فراشه- يمارس عادة التأَمُّل العميق في الفراغ، ثم يبدأ "بالحكحكة" الطويلة، والتمدُّد الكسول، و"التمطمط" الوجودي؛ لمدة تزيد عن العشر دقائق؛ فينتهي بهم الأَمر دائماً إلى التأخر عن الطابور الصباحي والتدريبات الرياضيَّة.
وإنصافاً للحقيقة؛ لم تكن حكحكة الجنود آنذاك دلالاً ولا تقصيراً أخلاقيَّاً، بل لأنَّهم مرهقون ومتعبون؛ ينامون على تعب، ويستيقظون على أوامر لا تخصهم وحروب لا يفهمونها، فقد كانت أجسادهم تستيقظ قبل عقولهم، وعقولهم تحتاج إلى لحظات قد تمتد إلى دقائق كي تلحق بأجساد أُنهكت بين إرهاق الأمس وتعب اليوم.
ظلَّ الأمر يتكرَّر كلَّ يوم! مما دفع الضابط الإِنجليزي إلى البحث عن مشكلة عدم لحاق الجنود بالطابور، وبقي الضابط يَدرُسُ الأمر بجديَّة؛ حتى اكتشف أنَّ سبب التأخير يندرج ضمن سلوك الأفراد الذين يمارسون "الحكحكة" و "المطمطة" الجسديَّة قبل مغادرة الفراش! وبعد التدقيق والتمحيص في إيجاد الحلول المنطقيَّة التي تجعل الجنود ملتزمين بالوقت المحدد للطابور، فإِنَّه ارتأى أن يُعيد برمجة نظام "الصحيان" الصباحي، فقرَّر أن يأتي إليهم -كلَّ يوم- قبل موعد الاستيقاظ بعشر دقائق؛ لكي ينهضوا باكراً دون أن يتأخروا، وبدلاً من أن يوقظهم من أجل الطابور وممارسة الرياضة؛ أصبح يناديهم بلهجته العربيَّة المتكسرة:
))يالله أَسكري.. قوم اتهكهك أشَرَة دقيقة))!
فاستطاع الضابط بذكاءٍ استعماري بارد أن يحلَّ المشكلة، وقد تمكَّن من إيقاظ الجميع بشكلٍ يتوافق مع وقت الطابور وممارسة التدريبات الصباحيَّة، وبطريقةٍ تضمن استثمار الوقت وتحقيق النتائج، بعد أن تعامل مع سلوكيَّاتهم على اعتبار أَنَّها سلوكيَّات عامة يمكن التنبؤ بها، فأدرك بعينه الباحثة أنَّ الشعوب العربيَّة لا تستيقظ من نومها بشكلٍ مباشر، بل تحتاج إلى مرحلة تمهيديَّة من "الحكحكة".
انتهى الانتداب، ورحل الضابط الإنجليزي؛ لكنَّ الحكحكة بقيت إرثاً عربيَّاً مائزاً؛ حتى انتقلت من الخيام إلى المؤسسات الوطنيَّة، ومن الطابور الصباحي إلى التاريخ المعاصر، حتى بدأنا نقرأ التاريخ لنحكَّ به حاضرنا؛ فنحوِّل التراث إلى مخدِّر، في حين أنَّنا كنَّا نستطيع تحويله إلى خبرة يُحتذى بها وملجأ نفسي ودروس مليئة بالعبر والمواعظ، ولكنَّنا رضينا بأن نستدعي أمجاد القرون الماضية لنهرب من واقعنا المرير، ونلوِّح بصفحات التاريخ؛ (لا لفتح الطريق أَمامنا، بل لتبرير عجزنا).
إِنَّ مشكلة الشعوب العربيَّة أَنَّها منذ مئات السنين ترفض الاستيقاظ الكامل قبل ممارسة "التحكحك" الطويل و "التمطمط" الوجودي، فضلاً عن التمدُّد الكسول الذي حال بينهم وبين اليقظة المبكرة التي ترتقي بالأُمة نحو السمو؛ في حين أنَّ آلاف الرسائل المباشرة وغير المباشرة قد وصلت إِلينا لتوقظنا مما نحن عليه؛ ولكنَّنا لم نلتفت إليها ولم نقرأها سوى بعيونٍ ناعسة؛ فعجزنا عن إيجاد الحلول المناسبة بسبب أنَّنا نحبُّ "المطمطة"، ونعشق "الحكحكة"!
- فالهزائم الكثيرة أَصرَّت أن توقظنا..
- والنكبات المتتالية سعت جاهدة لتوقظنا..
- والفساد والخراب قد طرق أبوابنا ليوقظنا..
حتى أنَّ التاريخ نفسه بدأ يصرخ في آذاننا ليوقظنا؛ ولكنَّنا لم نزل بحاجة إلى حكحكة فكريَّة؛ نحكُّ خلالها رؤوسنا قبل تنفيذ الأفعال، ونتمطمط في مواجهة الكوارث، ونؤجل الوعي إلى إشعار آخر، ونتعامل مع الإِنذار على أنَّه منبِّه مزعج نعطله بالضغط على مفتاح الغفوة؛ لكي نعود إلى نومنا الهادئ حتى لو كان الأمر يحتاج إلى خمس دقائق إضافيَّة من النوم، ثم نكرِّر عمليَّة الضغط حتى تطول فترات السبات العميق، فبتنا شعوب تُحوِّل الصدمة إلى نكتة! وتُشجع التشخيص أكثر من العلاج، وتعشق الخطابة أكثر من القرار، حتى أنَّنا أصبحنا نتفاخر بأنَّنا نغلِّف كلَّ تحذير بخطابات مطاطيَّة، لنتسيقظ على نصف وعي، ونعود إلى النوم على كامل القناعة! فالمشكلة لم تعد في الاستعمار الأَجنبي، ولا في الضابط الإِنجليزي، ولا حتى في منبهات الصباح! بل باتت تتجسد في أنَّنا شعوب تنتظر من يوقظها مبكراً؛ لا لنتهض، بل لتمارس الحكحكة بهدوء، وتستمتع بالمطمطة الأَزليَّة، ثم العودة إلى ممارسة وظيفة السبات.
لقد استوعب الضابط الإنجليزي حقيقتنا منذ مئات السنين؛ وقد تأَكَّد –أثناء فترة الانتداب- أنَّنا شعوب ((لا ترفض النهوض؛ ولكنَّها تكره الوقوف))! وأنَّنا وبعد مئات السنين التي انطوت وتقدَّمت فيها الأُمم وغيَّرت خارطة العالم؛ ما زلنا نطلب عشر دقائق إضافيَّة من التاريخ؛ لا لنلتحق بطابور الأُمم المتقدِّمة، بل لنكمل مسيرة التمطمط والتأمل الفراغي، ولا أَدري لماذا!
ربَّما لأنَّنا شعوبٌ تحبُّ المطمطة وتعشق الحكحكة.











طباعة
  • المشاهدات: 5092
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
28-03-2026 09:48 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك.. هل سيُقرّ مجلس النواب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم