19-03-2026 11:49 PM
سرايا - كتب: جمال فياض
ليس من السهل أن يمرّ عمل درامي كـ«مولانا» مروراً عادياً، فهو ليس مجرد مسلسل يُشاهَد ثم يُنسى، بل تجربة متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدراما والواقع. منذ اللحظة الأولى، يضعنا هذا العمل أمام مرآة صادقة تعكس تفاصيل حياتنا، لا في سوريا وحدها، بل في مجتمعاتنا العربية بأكملها، حتى تكاد تشعر أن العالم كله قد تقلّص إلى قرية واحدة اسمها «العادلية».
يقود هذا العمل النجم تيم حسن بأداء استثنائي يُضاف إلى مسيرته الحافلة، حيث يقدّم شخصية مركّبة تتأرجح بين الذكاء والاحتيال، وبين الحضور الطاغي والهشاشة الداخلية. إلى جانبه، تتألق نور علي بحضور ناضج وأداء محسوب بدقة، فيما تضفي الكبيرة منى واصف بُعداً إنسانياً عميقاً على العمل، خصوصاً في مشاهدها المفصلية التي تحمل الكثير من الدلالات.
أما الإخراج، فهو بصمة واضحة للمخرج القدير سامر البرقاوي، الذي قدّم هنا عملاً لا تقل جودة مشاهده عن مشاهد الأفلام السينمائية العالمية في كل حلقة. الكادرات مدروسة بعناية، والزوايا محسوبة بدقة، والإيقاع البصري متماسك إلى حد يجعلك تشعر أنك أمام فيلم متكامل، لا مجرد حلقة تلفزيونية. هذا المستوى من الاحتراف يعكس أيضاً رؤية إنتاجية متقدمة من شركة الصباح، التي أثبتت مجدداً قدرتها على تقديم أعمال بمواصفات عالمية.
النص في «مولانا» ليس تقليدياً، بل هو نص ذكي محمّل بالإسقاطات. كل شخصية تمثل شريحة من المجتمع: البسيط الذي قد يتحول ببراءته إلى أداة ضرر، الوصولي الذي يسعى إلى السلطة بأي ثمن، والانتهازي الذي يتلوّن حسب الظروف. حتى الشخصيات الثانوية جاءت مكتوبة بعناية، بحيث لا وجود لأي تفصيل عبثي أو زائد. هنا تكمن قوة العمل: في قدرته على جعل كل مشهد يحمل معنى، وكل حوار يفتح باباً للتأويل.
واحدة من أبرز نقاط القوة في المسلسل هي جرأته في طرح فكرة “صناعة القداسة”. شخصية “مولانا” لم تكن بطلاً تقليدياً، بل كانت نموذجاً لكيف يمكن للرأي العام أن يصنع رمزاً، ثم يتمسك به حتى بعد انكشاف حقيقته. هذه الفكرة قُدّمت بذكاء شديد، خصوصاً في التحول الدرامي حين انكشفت الشخصية، ومع ذلك أعاد الناس “تقديسها”، في إشارة عميقة إلى هشاشة الوعي الجمعي وإمكانية توجيهه. أما “العقيد” فارس الحلو، فقد كان في مكانه، ولا مكان لغيره في هذا الدور… غيبة الحلو الطويلة عن الشاشة استحقت هذا التعويض الكبير، وهذا الأداء الناضج والمحترف كان نقطة قوة هائلة… سيذكر فارس الحلو هذا الدور في أول سطر من سيرته الفنية الحافلة.
العمل أيضاً نجح في خلق حالة اندماج نادرة، حيث يشعر المشاهد أنه جزء من «العادلية»، يعيش تفاصيلها، يتألم لوجعها، ويغضب لظلمها. وهذا يعود إلى تكامل عناصر الصورة، من التصوير الذي التقط جمال الطبيعة اللبنانية، إلى الموسيقى التي جاءت بسيطة وعميقة في آن، وصولاً إلى الأداء التمثيلي الذي يمكن وصفه، دون مبالغة، بأنه من مستوى “الممتاز وما فوق” لدى جميع الممثلين دون استثناء. ناهيك عن أننا في سوريا ولبنان عشنا وعايشنا مثل هذه اليوميات، بشكل أو بآخر.
هناك فريق متكامل يعمل منذ سنوات على جملة إبداعات تذهل وتنتزع الإعجاب بقوة. إنها شراكة تيم حسن وسامر البرقاوي وصادق الصبّاح… يكفي أن تسمع هذه الأسماء لتعرف أنك دخلت ضمن المثلّث الذهبي الذي لا ينتج ولا يقدم إلا الإتقان والحرفية والنجاح.
في “مولانا” لا يوجد ضحك على المشاهد، ولا محاكاة لغريزة العنف المرغوب في كل بضعة مشاهد. التوظيف المشهدي كان بالقدر المطلوب واللازم، لا أكثر ولا أقل.
التعليقات الباهتة التي طالت العمل على مواقع التواصل كانت، في معظمها، إما سطحية نابعة من تعصّب “فانزات”، أو نتيجة رفض أو عدم فهم عميق للإسقاطات التي قدّمها.
«مولانا» ليس عملاً سهلاً أو مباشراً دائماً، بل يحتاج إلى مشاهدة واعية تقرأ ما بين السطور، وتُحلّل بمنطق وحيادية، لتجد أن الواقع كان هكذا. لا العاطفة ستمنعنا من الاعتراف به، ولا الحماس سيضاعف من استيعاب ما شاهدناه.
بالخلاصة، «مولانا» ليس مجرد مسلسل ناجح، بل علامة فارقة في الدراما العربية، عمل يثبت أن هذه الصناعة قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات عندما تتكامل الرؤية مع التنفيذ. إنه عمل يُدرَّس، ويُكتب عنه كثيراً، ويُحفظ كواحد من أبرز الأعمال التي قدّمت الواقع كما هو… وينافس كل ما أُنتج من دراما، سواء عربية أو تركية أو عالمية، وربما بما لم نجرؤ كثيراً على عرضه أو رؤيته من قبل.
تحية لا بد منها لكل الممثلين، مهما كان حجم أدوارهم، فالمبدأ ما زال ثابتاً: “لا يوجد دور صغير وممثل كبير، بل هناك ممثل صغير وممثل كبير”… وفي “مولانا” الكل كان كبيراً ورائعاً
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
19-03-2026 11:49 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||