09-03-2026 08:41 AM
بقلم : جهاد المنسي
يأتي الثامن من آذار/مارس، يوم المرأة العالمي، مناسبة للتذكير بدور المرأة في المجتمعات، لكنه في الوقت ذاته فرصة حقيقية لطرح الأسئلة الصعبة حول واقع النساء في سوق العمل وفي التشريعات الناظمة للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي الأردن تحديدًا، تبدو المفارقة واضحة: نساء متعلمات بكفاءة عالية، لكن حضورهن في الاقتصاد ما يزال محدودًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول القوانين والبيئة الاجتماعية التي تحكم مشاركة المرأة في الحياة العامة.
الأرقام تكشف جانبًا مهمًا من هذه المفارقة، فوفق بيانات مرتبطة بالبنك الدولي، لا تتجاوز نسبة مشاركة المرأة الأردنية في سوق العمل نحو 14 % فقط من إجمالي النساء في سن العمل، وهي من أدنى النسب عالميًا، في حين يبلغ المتوسط العالمي أكثر من 51 %، وهذا يعني أن الغالبية الساحقة من النساء خارج دائرة النشاط الاقتصادي، رغم أن الأردن يمتلك قاعدة تعليمية نسائية قوية.
وتظهر بيانات سوق العمل أن نحو ثلاثة أرباع النساء العاملات يحملن درجة البكالوريوس أو أعلى، وهي نسبة أعلى بكثير من الرجال في سوق العمل، لكن هذه الكفاءة التعليمية العالية لا تنعكس في فرص العمل، وهو ما يعكس خللًا واضحًا بين مخرجات التعليم وسياسات التشغيل.
في المقابل، تشير الأرقام إلى أن معدل المشاركة الاقتصادية للنساء في الأردن يتراوح بين 14 % و15 % فقط، بينما يصل لدى الرجال إلى أكثر من 50 %، ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الجنسين في سوق العمل، وهذه الفجوة ليست مرتبطة فقط بالاقتصاد، بل أيضًا بالبنية التشريعية والاجتماعية.
جزء من المشكلة يرتبط بقوانين العمل وبعض التشريعات التي ما تزال غير مهيأة بالكامل لتمكين المرأة اقتصاديًا، فبيئة العمل في كثير من القطاعات لا تزال تفتقر إلى المرونة الكافية، سواء فيما يتعلق بساعات العمل، أو توفير الحضانات، أو حماية المرأة في بعض المهن، الأمر الذي يدفع الكثير من النساء إلى الخروج من سوق العمل بعد سنوات قليلة من التوظيف.
لكن الجانب التشريعي ليس العامل الوحيد، فالعادات والتقاليد ما تزال تلعب دورًا مهمًا في تحديد مسار عمل المرأة، ففي كثير من المناطق، لا يزال العمل النسائي محصورًا في قطاعات محددة مثل التعليم أو التمريض أو الوظائف الحكومية، بينما يُنظر بتحفظ إلى دخول المرأة في قطاعات أخرى كالصناعة أو المهن التقنية أو العمل الميداني.
ولهذا ليس من المستغرب أن نجد آلاف المعلمات في المدارس، في حين أن حضور النساء في القطاعات الإنتاجية أو الصناعية أو التكنولوجية ما يزال محدودًا، وهذا النمط التقليدي في توزيع الوظائف يعكس تأثير الثقافة المجتمعية بقدر ما يعكس تأثير السياسات الاقتصادية.
كما أن جزءًا من المشكلة يكمن في طبيعة الاقتصاد نفسه، فالاقتصاد الأردني يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع الخدمات والوظائف الحكومية، في حين أن القطاع الخاص ما يزال أقل قدرة على استيعاب الخريجين، خصوصًا النساء، ومع ارتفاع معدلات البطالة عمومًا، تصبح المنافسة على الوظائف أكثر صعوبة بالنسبة للمرأة.
كل ذلك يجعل من يوم المرأة العالمي مناسبة لا للاحتفاء فقط، بل لمراجعة حقيقية لواقع مشاركة المرأة الأردنية في الاقتصاد، فالمشكلة ليست في التعليم أو الكفاءة، اذ إن تمكين المرأة اقتصاديًا لا يعني مجرد زيادة عدد الوظائف النسائية، بل يتطلب إعادة النظر في القوانين والسياسات التي تنظم سوق العمل، إضافة إلى مراجعة بعض المفاهيم الاجتماعية التي ما تزال تحد من مشاركة المرأة في قطاعات عديدة.
فالمجتمعات التي نجحت اقتصاديًا لم تفعل ذلك إلا عندما أدركت أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إذا بقي نصف المجتمع خارج دائرة الإنتاج، وفي الأردن، تبدو المعادلة واضحة: لدينا نساء متعلمات وقادرات، لكن الطريق ما يزال طويلًا لتحويل هذه الطاقات إلى قوة اقتصادية حقيقية، ولهذا فإن الثامن من آذار يجب أن يكون يومًا للتفكير الجدي في كيفية سد الفجوة بين التعليم والعمل، وبين الكفاءة والفرصة، وبين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
09-03-2026 08:41 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||