07-03-2026 07:22 PM
سرايا - بينما يرفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سقف طموحاته مطالبا بـ"استسلام غير مشروط" لإيران، ومتعهدا باختيار "قادة جيدين" لإدارتها، تدور في الغرف المغلقة بواشنطن نقاشات من نوع آخر.
فقد كشف تقرير سري صادر عن "مجلس الاستخبارات الوطنية" الأمريكي (NIC) عن فجوة عميقة بين رغبات البيت الأبيض السياسية والواقع الميداني المعقد، واضعا صناع القرار أمام تقييم يعيد رسم حدود القوة العسكرية في هندسة "اليوم التالي" للحرب.
يفكك التقرير الاستخباري، الذي سربت تفاصيله لصحيفة "واشنطن بوست"، المشهد الإيراني عبر زوايا إستراتيجية تضع واشنطن وتل أبيب أمام اختبار حقيقي.
تعثر "نموذج فنزويلا"
تبدو إستراتيجية ترمب المعلنة أقرب إلى محاولة استنساخ ما يمكن تسميته بـ"سيناريو فنزويلا" توجيه ضربة عسكرية ساحقة تزيل رأس الهرم (كما حصل لاحقا مع اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي)، وإبقاء الهيكل الحكومي سليما، ثم تعيين قيادة جديدة.
لكن تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية -الذي يمثل الرأي الموحد لكافة أجهزة المخابرات الأمريكية الـ18- يقلص هذا التصور إلى حد بعيد ويشكك جذريا في قابليته للتطبيق.
يخلص التقرير بوضوح إلى أنه "حتى الهجوم واسع النطاق الذي تشنه الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يطيح بالمؤسسة العسكرية والدينية المتجذرة في إيران".
هذه النتائج تثير شكوكا حول خطة الرئيس ترمب المعلنة لـ"تطهير" هيكل القيادة في إيران وتعيين حاكم من اختياره.
وأوضح الأشخاص المطلعون أن التقرير استعرض سيناريوهات خلافة خامنئي، وفي كلتا الحالتين، خلصت الاستخبارات إلى أن المؤسسة الدينية والعسكرية في إيران سترد على مقتل المرشد الأعلى باتباع بروتوكولات مصممة لـ"الحفاظ على استمرارية السلطة".
وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز، إن توقعات مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكي بصمود المؤسسات الإيرانية تنبع من معرفته الدقيقة بالجمهورية الإسلامية.
وتقع مسؤولية استبدال المرشد الأعلى على عاتق "مجلس خبراء القيادة"، لكن أعضاء الحرس الثوري وآخرين داخل المؤسسة الأمنية يلعبون أيضا دورا مؤثرا. وهناك تكهنات بأن المجلس سيعين نجل المرشد، مجتبى خامنئي.
وتلخص هولي داغريس، من معهد واشنطن، هذا الصدام بالقول "الركوع لترمب يتعارض مع كل ما يمثلونه.. المراتب العليا في المؤسسة الدينية عقائدية، وطريقة عملهم هي مقاومة الإمبريالية الأمريكية".
هذه الفكرة ترجمت برد حاد من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي أكد أن مصير إيران سيحدده الإيرانيون "وليس عصابة جيفري إبستين".
فخ "اليوم التالي" والفراغ
الزاوية الثانية في التقييم الاستخباري تتعلق بالبديل، فالولايات المتحدة، وعبر ضرب القيادة الحالية، قد تواجه فخ "الفراغ القاتل". إذ وصف احتمال تولي المعارضة الإيرانية المشتتة السيطرة على البلاد بأنه "غير مرجح".
ويقول مسؤولون أمريكيون إنهم يرون علامات قليلة على انتفاضة شعبية حاشدة تؤدي إلى نظام جديد، بينما كانت توجيهات ترمب للشعب الإيراني هي مجرد "الاحتماء" حتى تنتهي حملة القصف.
هذا التقييم يقرع ناقوس الخطر في نماذج "اليوم التالي"، فغياب البديل السياسي الجاهز لا يعني تقسيما منظما للبلاد. وفي هذا السياق، تدعم تحليلات غربية (بينها تقدير نشرته "ناشونال إنترست" الأمريكية) الرؤية الاستخبارية، مستبعدة سيناريو "بلقنة إيران" (تفككها لدول عرقية مثل دول البلقان) بسبب قوة التداخل الاجتماعي والقومية الفارسية.
لكن الخطر الحقيقي، يكمن في "الفراغ الأمني"؛ فمع تآكل السلطة المركزية بفعل القصف، تستعد الأقليات لملء الفراغ، حيث شكلت 5 فصائل كردية ائتلافا مسلحا في الغرب، بالتزامن مع تحركات لتنظيمات بلوشية في الجنوب الشرقي.
ورغم وجود تقارير عن اتصالات تجريها إدارة ترمب لدعم هذه الجماعات كـ"بديل بري" يعوض عجز القوة الجوية عن إزاحة النظام، فإن الخبراء يؤكدون افتقار هذه المليشيات للرؤية الموحدة أو القدرة على الحكم.
وهذا يطرح سيناريو استشرافيا يحذر منه مراقبون، فبدلا من التحول إلى "ديمقراطية موالية للغرب"، فإن تسليح هذه الأقليات قد يحول إيران إلى بؤرة "حرب أهلية" تستدعي تدخلات إقليمية مضادة (كتركيا المتوجسة من تمدد الأكراد، وباكستان القلقة من التمرد البلوشي)، مما قد يحوّل الحرس الثوري إلى شبكة لامركزية تدير حرب عصابات من الداخل وتتحكم في الفوضى.
الفجوة بين التقديرات الأمريكية والأهداف الإسرائيلية
تبرز الوثيقة السرية تباينا كامنا بين طموحات الحليفين، ففي حين ينظر في إسرائيل، وخاصة في خطاب وتقديرات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى هذه الحرب كفرصة تاريخية لإضعاف النموذج الإيراني أو إسقاطه، تدرك الاستخبارات الأمريكية، وفقا للتقرير، استحالة الاجتثاث الكامل لهذا النظام.
وقد رفض مكتب مدير الاستخبارات الوطنية التعليق على التقرير. ولم يوضح البيت الأبيض ما إذا كان الرئيس قد أحيط علما بهذا التقييم قبل الموافقة على العملية العسكرية.
هذا الاعتراف الاستخباري بحدود القوة العسكرية في هندسة السياسة الداخلية لإيران، يضع سقفا لجدوى العمل العسكري، وهو ما قد ينسجم مع تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي التي حصرت الأهداف في أطر عسكرية هي "تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية وقدرتها الإنتاجية، تدمير بحريتهم، إنهاء قدرتهم على تسليح الوكلاء، ومنعهم من الحصول على سلاح نووي".
هذا التركيز الأمريكي على تحجيم القدرات قد يدفع واشنطن للبحث عن مخرج تفاوضي لاحقا، بينما تواصل إسرائيل الدفع نحو هدف تراه الاستخبارات الأمريكية "غير مرجح"، وهو تباين في القراءة الإستراتيجية قد ينذر باصطدام مرتقب حول تحديد لحظة النهاية المقبولة لهذه الحرب.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
07-03-2026 07:22 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||