01-03-2026 05:40 PM
بقلم :
غالية حتاملة
لم تعد الحروب في عصرنا مواجهاتٍ عسكريةً تُقاس بنتائج الميدان وحده، بل أصبحت أدواتٍ مركّبة تُدار في مساحات أوسع: في الاقتصاد، وفي صورة الاستقرار، وفي معادلات الردع النفسي قبل الصاروخي. فالصراع اليوم لا يختبر قدرة الجيوش فحسب، بل يقيس أيضًا متانة الأسواق، وثقة المستثمرين، وصلابة البنى الاستراتيجية للدول.
حين اندلعت الغارات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، لم يبدُ ما يحدث مفاجئًا بقدر ما بدا امتدادًا لمسارٍ تصاعدي طويل، سبقته تهديدات معلنة، ومفاوضات متعثرة، واستعدادات عسكرية متنامية كانت تُقرأ بوضوح لمن يتابع المشهد عن كثب. فالتصريحات الأمريكية بشأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والحديث المتكرر عن “إزالة التهديدات الوشيكة”، لم تكن مجرد خطاب سياسي عابر، بل شكّلت تمهيدًا تدريجيًا لاحتمال المواجهة، حتى أصبح اندلاعها احتمالًا محسوبًا ضمن معادلة ضغط متبادل.
غير أن جوهر اللحظة لا يكمن في كيفية اندلاع الحرب، بل في طبيعة آثارها واتساع ساحتها. فمع امتداد الضربات إلى محيط قواعد عسكرية أمريكية في الخليج، وتعليق حركة الطيران في مراكز حيوية كدبي وأبوظبي، وتعطل شركات تُعد من الأهم عالميًا، لم يعد الصراع محصورًا بين أطرافه المباشرين. لقد أصبحت البنية الاقتصادية الخليجية التي تأسست على الاستقرار والانفتاح العالمي جزءًا من مشهد التصعيد.
إن تعليق العمليات في مطار دبي الدولي، أحد أكثر مطارات العالم ازدحامًا، وإيقاف رحلات شركات كبرى مثل طيران الإمارات والاتحاد للطيران، لا يمثلان اضطرابًا عابرًا، بل مساسًا مباشرًا بصورة المنطقة كواحة أمان اقتصادي. وفي الحروب الحديثة، لا يقل ضرب الثقة تأثيرًا عن استهداف المواقع العسكرية.
هنا تبرز فرضية تستحق التأمل:
هل يمكن أن تتقاطع مصالح بعض الأطراف، رغم خطاب العداء المعلن بينها، فتتشابه النتائج موضوعيًا دون وجود تنسيق مباشر؟
فإسرائيل، المرتبطة باتفاقيات سلام مع بعض دول الخليج، تبقى مقيدة باعتبارات سياسية تجعل توسيع دائرة الاستهداف نحو شركائها خيارًا بالغ الحساسية. وفي المقابل، فإن التوتر التاريخي بين إيران ودول الخليج يجعل أي تصعيد متبادل قابلًا للتفسير ضمن سياق العداء القائم. أما الولايات المتحدة، التي طُرحت سابقًا كقوة قادرة على احتواء التصعيد، فقد أصبحت طرفًا مباشرًا في المواجهة، ما يغيّر موقعها من وسيط محتمل إلى فاعل أساسي في معادلة الردع.
هنا تتبلور معادلة شديدة التعقيد: فإذا كانت المواجهة تُدار ضمن حدود محسوبة تحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وفي الوقت ذاته تمتد آثارها لتصيب البنية الاقتصادية لدول لم تكن صاحبة قرار المواجهة، فإن المشهد يتجاوز كونه صراعًا تقليديًا. نحن أمام حالة قد تعكس إعادة ترتيب للأدوار الإقليمية عبر ضبط دقيق لمستوى التصعيد، بحيث لا ينفجر بالكامل ولا يهدأ كليًا.
ولا يعني ذلك الادعاء بوجود تحالف خفي أو تنسيق سري؛ فمثل هذه الطروحات تحتاج إلى أدلة دامغة. غير أن قراءة المآلات تكشف أن زعزعة الثقة الاقتصادية وارتفاع منسوب القلق الأمني قد يفضيان إلى ترسيخ معادلات اعتماد أمني أعمق، تمنح بعض القوى موقعًا أكثر رسوخًا في مرحلة ما بعد التصعيد.
كما يفتح التصعيد بابًا لتحليل آخر لا يقل أهمية: هل تكشف هذه المواجهة، عن قصد أو بحكم الواقع، مدى قدرة اقتصادات الخليج على تحمّل صدمات أمنية بهذا الحجم؟ فالنماذج الاقتصادية القائمة على الانفتاح العالمي، وكثافة حركة الطيران، وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، تعتمد في جوهرها على عنصر الاستقرار. وأي اهتزاز ولو مؤقت يختبر متانة هذه البنية وقدرتها على التعافي السريع.
قد لا يكون الهدف المعلن هو “اختبار” هذه الاقتصادات، غير أن الأزمات الكبرى تكشف دائمًا نقاط القوة والضعف.فهل تُثبت هذه اللحظة صلابة النموذج الاقتصادي الخليجي، أم تكشف عن هشاشة محتملة أمام النزاعات الإقليمية الممتدة؟ وهل يدفع هذا الواقع نحو إعادة تحصين المنظومات الاقتصادية عبر تنويع أعمق، أو تعزيز مظلات الحماية الأمنية والاستثمارية؟
في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع النفوذ الاقتصادي، لم تعد الحرب مجرد تبادل للضربات، بل أداة لإعادة تشكيل توازنات القوة وإعادة تعريف مفاهيم الحماية والاستقرار. فالسؤال لم يعد فقط من يمتلك القدرة على إطلاق الصواريخ، بل من يستفيد من إعادة صياغة مفهوم الأمن ذاته.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس دويّ الانفجارات، بل التحولات الهادئة التي قد تعيد رسم قواعد اللعبة. فإذا كانت النتائج حتى دون تنسيق مباشر بين الخصوم تصب في إعادة توزيع النفوذ، فإن المنطقة العربية تجد نفسها مجددًا أمام تحدي الحفاظ على سيادتها الاقتصادية وأمنها الاستراتيجي في خضم صراع يتجاوز حدود العداء المعلن.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال: من يحارب من؟
بل: من يعيد رسم الخريطة بينما تنشغل الأطراف بإدارة المعركة؟
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
01-03-2026 05:40 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||