حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الجمعة ,27 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 10289

ماهر ماجد البطوش يكتب: المخالفة المرورية في ميزان الوعي المجتمعي

ماهر ماجد البطوش يكتب: المخالفة المرورية في ميزان الوعي المجتمعي

ماهر ماجد البطوش يكتب: المخالفة المرورية في ميزان الوعي المجتمعي

26-02-2026 01:05 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : ماهر ماجد البطوش
في ظل ما تشهده شوارعنا الأردنية من ازدياد ملحوظ في أعداد المركبات وتوسع الحركة المرورية، لم تعد المخالفات المرورية مجرد أرقام تُسجل على السائق، ولا مبالغ مالية تُدفع ثم تُطوى صفحتها، بل أصبحت انعكاس مباشر لمستوى الوعي المجتمعي، ومدى احترام المواطن للنظام العام الذي يقوم عليه أمن الطرق وسلامة الناس، فالطريق ليس مساحة فردية، بل مرفق عام تتقاطع فيه الحقوق، وأي تجاوز فيه ينعكس أثره على الجميع دون استثناء.
والأصل في التشريعات المرورية، وفي مقدمتها قانون السير الأردني والأنظمة الصادرة بمقتضاه، أنها لم تُشرع لجمع الأموال أو إرهاق المواطنين بالغرامات، وإنما جاءت لتحقيق غاية جوهرية سامية تتمثل في تنظيم حركة المرور وحماية الأرواح والممتلكات، والحد من الحوادث، وضبط السلوك العام في الطريق باعتباره حق مشترك للجميع، وهذا ينسجم مع مبادئ الدستور الأردني الذي كرس سيادة القانون وأوجب احترام النظام العام وصون الحقوق ضمن إطار من المسؤولية المشتركة.
ومن هذا المنطلق فإن المخالفة المرورية ليست مجرد عقوبة مالية، بل رسالة قانونية تؤكد أن الطريق ليس ساحة للفوضى، وأن حرية القيادة لا يمكن أن تكون على حساب سلامة الآخرين أو تعطيل حركة السير أو تهديد الأمن المجتمعي، فالمخالفة لم توضع كغاية بحد ذاتها، وإنما كوسيلة ردع لضبط سلوك قد يتحول إلى خطر حقيقي على الأرواح.
إلا أن الإشكالية التي تستحق الوقوف عندها، هي أن كثيراً من المواطنين باتوا ينظرون للمخالفة من زاوية واحدة فقط: كم تبلغ قيمتها؟ فلا يلتفت أحياناً إلى طبيعة الفعل الذي ارتكبه، ولا إلى خطورته، ولا إلى ما كان يمكن أن يترتب عليه من أذى أو حادث، بل يختصر المسألة في مبلغ مالي، وكأن المخالفة مجرد فاتورة عابرة لا أثر لها.
وهنا يكمن الخلل الحقيقي؛ لأن الخطر في المخالفة ليس في قيمتها، بل في السلوك الذي أنتجها، فالسرعة الزائدة ليست مجرد رقم على لوحة عداد، بل احتمال حادث جسيم، وتجاوز الإشارة الحمراء ليس استعجالاً، بل تهديد مباشر لحق الآخرين في الأمان، واستخدام الهاتف أثناء القيادة ليس لحظة، بل باب مفتوح لكارثة قد لا تُجدي معها كل التبريرات.
إن التعامل مع المخالفة بهذه العقلية يُفرغ النص القانوني من روحه، ويحوّل الردع إلى إجراء مالي بحت، بينما الحقيقة أن المشرّع حين شدد العقوبات في بعض المخالفات إنما انطلق من قاعدة راسخة مفادها أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الفردية، وأن حماية الأرواح هي الهدف الأعلى الذي يجب أن يظل فوق كل اعتبار.
ومن هنا تتأكد أهمية البعد التوعوي بوصفه الضمان الحقيقي لاستقرار النظام المروري، فالعقوبة وحدها لا تكفي إن لم تُرافقها ثقافة قانونية تشرح وتوضح للمواطن معنى المخالفة وخطورتها وآثارها، فنحن بحاجة لبرامج توعوية مستمرة تبدأ من المدارس، وتُعزز في الجامعات، وتدعمها وسائل الإعلام، بحيث يصبح احترام قواعد السير سلوك نابع من القناعة، لا مجرد استجابة مؤقتة للخوف من المخالفة.
إن المجتمع الذي يلتزم أفراده بقواعد السير عن وعي وإدراك، هو مجتمع يحترم القانون في تفاصيل حياته كلها، فالسائق الواعي لا يحتاج إلى رقابة دائمة، لأنه يدرك أن تجاوزه لا يمس نفسه فقط، بل يمس حق الآخرين في السلامة، وحين يتحول الالتزام إلى ثقافة عامة، نكون قد انتقلنا من رد الفعل إلى الوقاية، ومن دفع الغرامة إلى منع المخالفة.
وفي النهاية فإن المخالفة المرورية ليست مبلغ يُدفع ولا رقم يُسجل، بل مؤشر على سلوك يجب أن يُراجع، فالطريق لا يحتمل المجاملة، والحوادث لا تعترف بحسن النية، والنظام العام لا يُبنى إلا بمواطن يلتزم بالقانون عن قناعة ومسؤولية، وإذا أردنا نهضة حقيقية، فلنبدأ من الشارع، لأن الطريق هو المرآة الأولى التي تعكس حضارة المجتمع.











طباعة
  • المشاهدات: 10289
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
26-02-2026 01:05 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم