24-02-2026 07:32 PM
محمد إبراهيم مطالقة- محام وباحث
في بلدٍ يشكّل فيه العقار مدخرات العمر لغالبية الأسر الأردنية، ويُعدّ الضمان الاجتماعي الأمان الاقتصادي الأخير بعد سنوات العمل الطويلة، لا تبدو التعديلات التشريعية المرتبطة بهذين القطاعين مجرد مراجعات قانونية عادية، بل لحظة مفصلية تمس اثنين من أهم ركائز الاستقرار المالي والاجتماعي للمواطن. ومع تزامن طرح تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الملكية العقارية في وقت واحد، يتجاوز النقاش حدود التطوير التشريعي ليطرح تساؤلات أعمق حول قدرة المنظومة التشريعية على حماية الحقوق الاقتصادية في ظل زخم قانوني متسارع.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة المتمثلة في سحب الحكومة لتعديلات جوهرية على قانون الضمان الاجتماعي وإعادة صياغة بعض نصوصه بعد اتساع النقاش النيابي والمجتمعي، أن التدقيق الرقابي الفعّال قادر على إعادة التوازن للتشريع عندما يحظى بالاهتمام الكافي. غير أن هذه الواقعة تطرح في المقابل تساؤلاً مقلقاً حول ما إذا كانت التعديلات الأخرى المطروحة بالتزامن ذاته، وعلى رأسها قانون الملكية العقارية، ستحظى بالمستوى نفسه من النقاش، أم أنها قد تمر في ظل انحسار الاهتمام العام بعد احتواء الجدل المرتبط بالضمان.
ورغم أن النقاش العام انصرف بصورة ملحوظة إلى تعديلات الضمان الاجتماعي لما تحمله من أثر مباشر وفوري على شريحة واسعة من المواطنين، إلا أن التعديلات المرتبطة بقانون الملكية العقارية قد تحمل آثاراً أعمق وأكثر امتداداً زمنياً، باعتبارها تمس أحد أهم مصادر الاستقرار المالي للأفراد والسوق الوطني على حد سواء. فبينما يظهر أثر الضمان في الدخل المستقبلي، يمتد أثر تنظيم الملكية العقارية إلى أصل الثروة ذاته، وهو ما يستدعي قراءة تشريعية لا تقل عمقاً أو اهتماماً.
لا تكمن خطورة التشريعات الكبرى في مضمونها فقط، بل في توقيت طرحها وحجم الأعباء الرقابية التي تفرضها على السلطة التشريعية المكلفة دستورياً بحماية التوازن بين متطلبات الدولة وحقوق المواطنين.
وفي المشهد التشريعي الراهن، يتزامن طرح تعديلات جوهرية على قانون الضمان الاجتماعي وقانون الملكية العقارية، الأمر الذي يخلق حالة من الزخم التشريعي المتسارع تضع مجلس النواب أمام امتحان دستوري حقيقي يتعلق بقدرته على ممارسة رقابة موضوعية وعميقة، لا رقابة إجرائية تفرضها سرعة الإقرار وضغط الأجندة التشريعية.
الضمان الاجتماعي: استقرار المراكز القانونية تحت الاختبار
يمثل الضمان الاجتماعي الركيزة الأساسية للحماية الاجتماعية في الدولة الحديثة، وقد نشأت العلاقة بين المشترك ومؤسسة الضمان على أساس اشتراك إلزامي طويل الأمد مقابل حماية مستقبلية متوقعة.
وأي تعديل يمس شروط الاستحقاق أو النتائج التأمينية بعد سنوات من الاشتراك يثير تساؤلات دستورية تتصل بمبدأ الثقة المشروعة وحماية الحقوق المكتسبة، ذلك أن المشترك رتّب التزاماته المهنية والمعيشية استناداً إلى قواعد قانونية مستقرة شكّلت أساس قراراته الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أظهرت مراجعة الحكومة الأخيرة لبعض نصوص التعديل أن التشريع، متى خضع لنقاش رقابي فعلي، يبقى قابلاً للتصويب وإعادة التوازن، وهو ما يعزز أهمية الدور النيابي في حماية المراكز القانونية للمشتركين وعدم إخضاعها لتغييرات مفاجئة تمس توقعاتهم المشروعة.
الملكية العقارية: ركيزة اقتصادية واختبار دستوري
إذا كان الضمان الاجتماعي يمثل أداة الحماية المستقبلية للدخل، فإن الملكية العقارية تمثل في الواقع الأردني مخزون القيمة الاقتصادية الأكثر استقراراً، والمرتكز المالي الذي تقوم عليه قرارات الادخار والاستثمار والاستقرار الأسري.
ومن ثمّ، فإن أي تعديل يمس نطاق الملكية العقارية أو آليات التعويض عنها لا ينعكس على مالك منفرد فحسب، بل يمتد أثره إلى الثقة العامة بالسوق العقاري وإلى أحد أهم مرتكزات الاستقرار الاقتصادي الوطني.
ولا تقف آثار هذا التوسع عند مجرد إدخال سكة الحديد ضمن مفهوم الطريق، وما يترتب على ذلك من اتساع نطاق التنظيم، بل تمتد عملياً إلى إخضاع العقارات المستملكة لغايات النفع العام لأحكام الاقتطاع المتمثلة في الربع القانوني المجاني، سواء تعلّق الاستملاك بطرق أو بمشاريع بنية تحتية أخرى تدخل ضمن هذا المفهوم المتسع.
ويزداد الأثر القانوني لهذه التعديلات وضوحاً عندما يقترن ذلك بآلية تقدير التعويض عن الأجزاء التي يجري استملاكها، حيث يعتمد التقدير على القيمة الإدارية المقدّرة مضافاً إليها هامش زيادة محدد، وهو معيار قد يبتعد في كثير من الحالات عن القيمة السوقية الفعلية للعقار.
وعند اجتماع هذه العناصر معاً، لا يعود الأمر متعلقاً بإجراء تنظيمي منفصل، بل بمنظومة قانونية متكاملة تؤدي عملياً إلى تحميل الملكية الخاصة جزءاً متزايداً من كلفة مشاريع النفع العام، الأمر الذي يثير تساؤلاً دستورياً مشروعاً حول مدى تحقق شرط التعويض العادل الذي كفله الدستور في المادة (11).
وإذا كان النقاش المكثف قد دفع إلى مراجعة تعديلات الضمان الاجتماعي قبل إقرارها، فإن غياب مستوى مماثل من التدقيق في التعديلات العقارية قد يؤدي إلى إقرار نصوص ذات أثر اقتصادي طويل الأمد دون اختبار رقابي كافٍ، وهو ما يثير تساؤلاً مشروعاً حول منهجية طرح الحزم التشريعية المتزامنة ومدى انعكاسها على جودة الرقابة البرلمانية.
وتكمن المفارقة التشريعية في أن القوانين ذات الأثر الفوري تستقطب بطبيعتها الاهتمام العام والنيابي، في حين قد تمر التشريعات ذات الأثر البنيوي طويل الأمد بقدر أقل من النقاش، رغم أن انعكاساتها الاقتصادية والقانونية تكون أكثر ديمومة.
التزاحم التشريعي وضغط الدور الرقابي لمجلس النواب
إن طرح قانونين يمسان التقاعد وحق الملكية في توقيت متقارب لا يشكل مجرد تزامن تشريعي، بل يخلق ضغطاً فعلياً على الدور الرقابي لمجلس النواب.
فالرقابة التشريعية الفعالة تتطلب زمناً كافياً لدراسة الأثر الاقتصادي والدستوري للنصوص والاستماع للخبرات الفنية المتخصصة، لا الاكتفاء بمناقشات مضغوطة تفرضها كثافة المشاريع المعروضة.
ولا تتوقف آثار هذه التعديلات عند حدود العلاقة بين المالك والإدارة العامة، بل تمتد إلى بنية الاستقرار الاقتصادي الوطني ذاته، إذ يشكّل السوق العقاري أحد أهم مخازن الثروة الوطنية ومصدراً رئيسياً للثقة الاستثمارية والاستقرار المالي داخل الدولة.
الخلاصة: لحظة دستورية تتجاوز التشريع
إن مراجعة الحكومة لتعديلات الضمان الاجتماعي بعد اتساع الاعتراضات تؤكد أن التشريع القابل للنقاش هو تشريع قابل للتصويب، غير أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في التراجع عن نص أثار جدلاً واسعاً، بل في ضمان ألا تمر تشريعات أخرى أقل ضجيجاً، رغم ما تحمله من آثار أعمق وأكثر ديمومة على حقوق المواطنين وثرواتهم.
لأن التشريعات التي تمس الضمان الاجتماعي والملكية العقارية لا تعيد تنظيم حقوق قائمة فحسب، بل تعيد رسم حدود الثقة بين المواطن والدولة، وهي الحدود التي يقوم عليها استقرار أي نظام قانوني واقتصادي.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
24-02-2026 07:32 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||