حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,15 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5424

طارق راتب عبيدات يكتب: السكك الحديدية والنقل الجماعي: القرار المؤجّل في معركة المناخ

طارق راتب عبيدات يكتب: السكك الحديدية والنقل الجماعي: القرار المؤجّل في معركة المناخ

طارق راتب عبيدات يكتب: السكك الحديدية والنقل الجماعي: القرار المؤجّل في معركة المناخ

15-02-2026 04:04 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : طارق راتب عبيدات
كل صباح، تصحو المدن الأردنية على المشهد نفسه تقريبًا: طوابير طويلة من السيارات، شوارع تتباطأ فيها الحركة، وضغط متزايد على الوقود والوقت والأعصاب. لسنواتٍ طويلة، اعتُبر هذا المشهد جزءًا “طبيعيًا” من حياة المدن الكبرى، لكن مع ارتفاع كلف الطاقة، وتزايد الحديث عن تغيّر المناخ، لم يعد الزحام مجرد مشكلة يومية، بل مؤشرًا على مسار اقتصادي وبيئي لا يمكن الاستمرار فيه إلى الأبد.

اليوم، يعتمد معظم الأردنيين في تنقلهم على السيارة الخاصة أو سيارات الأجرة، بينما يبقى النقل الجماعي خيارًا ثانويًا في نظر كثيرين. كل مركبة إضافية على الطريق تعني استهلاكًا أعلى للوقود، وانبعاثات أكبر، وتآكلًا أسرع للبنية التحتية، وفاتورة متزايدة على الدولة والمواطن معًا. وفي بلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، تصبح مسألة النقل جزءًا مباشرًا من الأمن الاقتصادي والالتزامات البيئية، لا مجرد خدمة بلدية.

في السنوات الأخيرة، دخلت حافلات التردد السريع إلى المشهد بين عمّان والزرقاء. هذه التجربة أثبتت أن تحسين النقل الجماعي ليس حلمًا بعيدًا؛ عندما تكون الرحلة منتظمة، والمسار واضحًا، والوقت محسوبًا، يتقبّل الناس فكرة ترك السيارة واستخدام الحافلة. لكن هذه التجربة تبقى خطوة محدودة في بحر واسع من الاحتياج، ولا تكفي وحدها لتغيير الصورة الكبيرة.

هنا يظهر السؤال المؤجَّل منذ عقود: أين موقع السكك الحديدية في منظومة النقل الأردنية؟

القطار، حين يُذكر، يبدو للبعض مشروعًا “ثقيلاً” يحتاج إلى مليارات لا يحتملها اقتصاد محدود الموارد. هذه النظرة قد تكون مفهومة تاريخيًا، لكنها لم تعد دقيقة بالكامل. صحيح أن إنشاء خط حديدي جديد ليس قرارًا بسيطًا، وأن الكلفة الأولية لكل كيلومتر أعلى من كلفة تعبيد طريق عادي، لكن المقارنة العادلة لا تكون في سنة أو سنتين، بل في عمر جيل كامل.

القطار الواحد يمكن أن ينقل ما يعادل مئات السيارات في الرحلة نفسها. هذا يعني وقودًا أقل، وانبعاثات أقل، وحوادث أقل، وصيانة أقل للطرق. ومع الزمن، تتحول الكلفة الاستثمارية الأولى إلى توفير متراكم، سواء في فاتورة الطاقة أو في كلف الصيانة أو في زمن التنقّل والقدرة على العمل والإنتاج.

مع ذلك، الأردن ليس في وضع يسمح له بإطلاق شبكة حديدية وطنية من الشمال إلى الجنوب دفعة واحدة. هنا تحديدًا يجب أن يكون التفكير مختلفًا: ليس “كل شيء أو لا شيء”، بل بناء مسار واقعي من نقاط صغيرة متقنة.

يمكن، مثلاً، تركيز الجهد في ثلاثة اتجاهات متكاملة:

أولًا: تعميق النقل الجماعي بالحافلات قبل توسيع نطاقه.
المطلوب ليس فقط زيادة عدد الباصات، بل إعادة تنظيم الخدمة نفسها: خطوط واضحة، تردد منتظم، محطات مهيأة، تعرفة مفهومة، وتكامل بين الحافلات السريعة والخطوط العادية. نجاح شبكة حافلات قوية هو الشرط الأول لنجاح أي مشروع سكك حديدية لاحقًا؛ لأن القطار لا يصل إلى باب البيت، بل يحتاج إلى حافلات تغذّي محطاته.

ثانيًا: البدء بخط حديدي واحد ذي جدوى عالية، لا بخريطة كبيرة على الورق.
يمكن أن يكون ذلك بين عقدتين حيويتين مثل عمّان–الزرقاء، أو عمّان–المطار، أو استخدام مسارات قائمة في الجنوب يجري تطويرها تدريجيًا لتخدم الركاب إلى جانب الشحن. خط واحد يعمل بكفاءة، ويرتبط بالحافلات، ويخدم أعدادًا واضحة من الركاب، أفضل من شبكة معلّقة في الخطط لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

ثالثًا: تغيير طريقة تمويل مشاريع النقل الثقيلة.
الدولة وحدها لا تستطيع تحمّل الكلفة. لكن يمكن تصميم نموذج شراكة مع القطاع الخاص وصناديق التمويل الدولية المعنية بالمناخ، بحيث تتوزع الكلفة على فترة زمنية طويلة، ويرتبط جزء من السداد بالإيرادات التشغيلية، وجزء آخر ببرامج تمويل ميسّرة مرتبطة بالتحوّل نحو النقل النظيف. بهذه الطريقة، لا يُنظر إلى المشروع كعبء على الموازنة، بل كاستثمار طويل الأجل في الطاقة والبيئة والاقتصاد.

إلى جانب ذلك، هناك إجراءات “صغيرة” في ظاهرها، لكنها مؤثرة جدًا إذا اجتمعت معًا:
رفع كفاءة أسطول الحافلات الحالي، إدخال حافلات هجينة أو كهربائية على خطوط محددة ذات كثافة عالية، تنظيم مواقف النقل العام حتى لا تضيع مكاسب الخدمة في الفوضى، وتوحيد أنظمة التذاكر بحيث يستطيع المواطن الانتقال من حافلة إلى أخرى أو من القطار إلى الحافلة ببطاقة واحدة وتعرفة منطقية.

السكك الحديدية في الأردن ليست فكرة جديدة بالكامل؛ المنطقة عرفت يومًا خط الحجاز الذي ربط الشمال بالجنوب. اليوم، لا أحد يطالب بإعادة الماضي كما هو، لكن يمكن الاستفادة من الدرس: النقل بالقطار يصنع محورًا حضريًا مختلفًا، يعيد تنظيم السكن والعمل حول المحطات، ويخلق فرصًا اقتصادية على طول المسار بدلًا من تمدد عشوائي يستهلك الأراضي والطرق والطاقة.

في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: “هل نستطيع تحمّل كلفة السكك الحديدية والنقل الجماعي؟”
السؤال الأصح: “كم ندفع اليوم – صامتين – مقابل تأجيل هذا القرار؟”
ندفع في الوقود، وفي صيانة الشوارع، وفي وقت ضائع في الازدحام، وفي هواء أثقل على صدور الأطفال وكبار السن، وفي فرص عمل لم تُخلق لأن حركة الناس والبضائع ما زالت مقيدة بزحمة الطرق.

السكك الحديدية والنقل الجماعي ليسا مشروعًا ترفيًّا لبلد غني، بل أداة عقلانية لبلد يريد أن يحافظ على موارده المحدودة، ويخفف فاتورة الطاقة، ويحمي الهواء الذي يتنفسه، ويظل وفيًا لالتزاماته البيئية دون أن يرهق اقتصاده. القرار قد يكون مؤجَّلًا اليوم، لكنه لن يبقى كذلك إلى الأبد؛ إما أن نتقدّم نحوه بخطوات محسوبة، أو أن نُدفَع إليه تحت ضغط كلف لا يمكن أن تُحتمل لاحقًا.

والخيار في النهاية قضية إرادة قبل أن يكون قضية إمكانات.











طباعة
  • المشاهدات: 5424
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
15-02-2026 04:04 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم