حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,10 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4533

د. سيف الدين ربابعة يكتب: وجهة نظر في مقترح الحكومة "بالأيام الثلاثة"

د. سيف الدين ربابعة يكتب: وجهة نظر في مقترح الحكومة "بالأيام الثلاثة"

د. سيف الدين ربابعة يكتب: وجهة نظر في مقترح  الحكومة "بالأيام الثلاثة"

10-02-2026 01:20 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. سيف الدين ربابعة
في وقت يسعى فيه الأردن إلى إعادة تموضع جهازه الإداري ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، يبرز مقترح "زيادة أيام الإجازة الأسبوعية إلى ثلاثة أيام مقابل زيادة ساعات العمل اليومية بساعتين" كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في أروقة صنع القرار. فبينما ترى الحكومة في هذا التوجه خطوة نحو ترشيق الأداء والاعتماد على الرقمنة، تبرز تساؤلات إدارية حادة حول الأثر الفعلي على الإنتاجية وتدفق العمل.

من منظور علم الإدارة الحديث، فإن زيادة ساعات العمل اليومية (لتصبح 10 ساعات بدلاً من 8) قد تؤدي إلى نتائج عكسية تُعرف بـ "تناقص العائد الإداري". فالعقل البشري يمتلك طاقة تركيز محدودة، وبعد الساعة الثامنة من العمل، يميل الموظف إلى الإرهاق الذهني، مما يرفع من نسبة الأخطاء ويقلل من سرعة الإنجاز.

أما فيما يتعلق بزيادة أيام الإجازة، فإن الانقطاع عن بيئة العمل لمدة ثلاثة أيام متواصلة يخلق ما يسمى "فجوة الاستمرارية". يحتاج الموظف بعد إجازة طويلة إلى وقت إضافي صبيحة يوم الأحد لاستعادة زخم العمل ومتابعة المعاملات المتراكمة، مما يعني أن اليوم الأول بعد الإجازة يكون "شبه ضائع" إدارياً، وهذا يؤثر سلباً على الإنتاجية الكلية للمؤسسة.

الحكومة تعول بشكل كبير على "أتمتة الخدمات" لتكون الجسر الذي يعبر فوق فجوة الأيام الثلاثة. الفكرة هي أن الخدمة الرقمية لا تغلق أبوابها، ولكن الواقع يخبرنا أن الرقمنة في الأردن لا تزال في مرحلة "التحول الهجين"؛ حيث لا تزال الكثير من المعاملات تتطلب تدخلاً بشرياً أو موافقات إدارية لا تتم إلا بوجود الموظف خلف مكتبه. في هذه الحالة، ستصبح الأيام الثلاثة عائقاً أمام سرعة اتخاذ القرار، وقد تتحول الرقمنة من "مُسهّل" إلى "مستودع" للمعاملات المتراكمة بانتظار عودة الموظف.

في الوقت الذي تُقدم فيه التجارب الدولية رؤًى ملهمة حول إعادة تنظيم أسبوع العمل، يجدر التنبيه إلى أن النماذج العالمية المتباينة قد لا تكون قابلة للنقل الحرفي إلى البيئة الأردنية، وذلك لاختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية بشكل جذري. فنجاح تجربة أيسلندا في تقليل ساعات العمل، أو مرونة النموذج الإماراتي، ينبع من بيئات تتمتع ببنى تحتية رقمية متطورة، وثقافة مؤسسية قائمة على النتائج، واقتصاد متنوع ذي إنتاجية عالية نسبيًا. بينما يواجه الأردن تحديات فريدة، تشمل ارتفاع معدلات البطالة، واعتماد جزء كبير من اقتصاده على القطاعات التقليدية، وتباين جاهزية المؤسسات للتحول الرقمي. لذا، فإن أي نموذج جديد يجب أن يُصمم بشكل وطني حقيقي، يأخذ في الاعتبار قدرة القطاع الخاص على التكيف، وحجم القطاع العام، وطبيعة العلاقات المهنية السائدة، والأولويات الاقتصادية الوطنية. الاستفادة من الدروس العالمية لا تعني تقليدها، بل تطويع مبادئها لخدمة واقعنا، مما يتطلب دراسة متأنية لتأثيرات أي تغيير على الإنتاجية الشاملة، وتوازن سوق العمل، وحتى على النسيج الاجتماعي. فالهدف ليس مجاراة الموضة العالمية في تنظيم العمل، بل بناء نموذج أردني مستدام، يعزز العدالة والكفاءة معا.

إن المقترح الحكومي يتطلب دراسة عميقة قبل التطبيق. فالأردن بخصوصيته الاقتصادية يحتاج إلى زيادة في الإنتاجية لا تقليصها.

الرقمنة هي المستقبل بلا شك، لكن استباق النتائج بزيادة أيام الإجازة قد يؤدي إلى شلل إداري في القطاعات التي لا تزال تعتمد على "التوقيع البشري".يجب أن يكون الهدف هو "كفاءة المُنتج" وليس "عدد أيام التواجد"، وهو ما يتطلب ثقافة إدارية جديدة تعتمد على النتائج لا على ساعات الحضور والغياب.











طباعة
  • المشاهدات: 4533
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
10-02-2026 01:20 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم