10-02-2026 10:00 AM
بقلم : د.عاصم منصور
في عصرِنا الرقمي المتسارِع، تحولت قضايا كبرى هزت الضمير العالمي، مثل فضيحة شبكة جِيفري إبستين وقبلها الزلزال الذي أحدثته تسريبات «ويكيليكس»، من أدوات لكشف المستور ومحاربة الفساد إلى قوالبَ جاهزة لصناعة الأكاذيب وشيطنَة الخصوم.
المفارقة المرعبة تكمن في أن هذه القضايا، التي بدأت كصرخات في وجه الظلم والتعتيم، باتت اليوم أسلحة دمار شامل للسمعة، تستخدم ببراعة لخلط الأوراق وتوفير ملاذات آمنة للمجرمين الحقيقيين الذين يختبئون خلف غبار المعارك الوهمية.
لم يعد اغتيال الشخصية في هذا الزمنِ يتطلب جهدًا استخباراتيًا معقدًا كما كان في الماضي؛ إذ يكفي أن تضع اسم خصمك ضمن قائمة مفبركة تنسبها لإبستين أو تدعي وجود برقية دبلوماسية مسربة تدينه، لتنطلق آلة التشويه التي لا ترحم.
فقضية «إبستين» تحديدًا ومنذ بدء الكشف عن بعض خيوطها تحولت إلى ما يشبه ماكنة تشويه إعلامي؛ فمع كل استحقاق انتخابي أو أزمة سياسية، تظهر فجأة قوائم جديدة ومزورة لزوار «جزيرة الرذيلة»، وصور مركبة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تجمع سياسيين أوْ مشاهير مع «إبستين»، والهدف هنا ليس تحقيق العدالة للضحايا؛ بل تفعيل سلاح «الإسقاط الأخلاقي».
إن اتهام الخصم بالتَورط في جرائم جنسيَة ضد القصر هو بمثابة سلاح فتاك في حروب السمعة، فهي تهمة تثير اشمئزازًا فوريًا يغلق باب النقاش العقلاني، وتجعل الدفاع عن النفس شبه مستحيل، مما يسهل عملية الإقصاء السياسي والاجتماعي للهدف المرصود.
وعلى المنوال ذاته، تم اختطاف إرث «ويكيليكس» وتوظيفه بشكل عكسي؛ فبدلا من الاستفادة من الوثائق في كشف جرائم الحرب والفساد المالي، تم استخدامها من قبل أجهزة استخباراتية وجيوش إلكترونية تابعة لحكومات ومؤسسات قامت بخلط متعمد لوثائق مسربة حقيقية بأخرى مزورة بدقة عالية، في تكتيك خبيث لا يهدف فقط لضرب الخصم، بل لـ «تسميمِ البِئر» بالكامل.
فعندما يختلط الحق بالباطل، وتندمج الوثيقة الأصلية بالمزورة، يفقد الجمهور الثقة في أي تسريب مستقبلي، ويصبح التشكيك في أي وثيقة دامغة أمرًا يسيرًا بمجرد الإشارة إلى سوابق التزييف، مما يخلق حالةً من العدمية المعلوماتية حيث تتساوى الحقائق بالأكاذيب.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من هو المستفيد الحقيقي من إغراق الفضاء العام بقوائم وهمية تضم عشرات الأسماء البريئة إلى جانب أسماء المتورطين الفعليين، وما نتج عن ذلك من تشتيت للانتباه، وتبديد لطاقة الرأي العام الذي انشغل بملاحقة الأدلة الدامغة لتفنيد الأكاذيب بدل التركيز على الجريمة الشنيعة ومن يقف وراءها؟
هنا لن نحتاج إلى عناء كبير لنخلص إلى أن المستفيد الأول والأخير من هذه الفوضى هو المجرم الحقيقي الذي حصل على صك غفران نتيجة تطهره بسمعة الأبرياء واختلاطه بهم.
إنها إستراتيجية إغراق العالم بالفوضى، حيث يصبح الضجيج العالي للاتهامات المتبادلة هو الغطاء المثالي للإفلات من العقاب. وفي ظل قابلية الجماهير للخداع مدفوعةً بـ «التَحيز التأكيدي» ورغبتها في تصديق ما يدين خصومها، ينجح الفاعلون الخفيون في تحويل المجتمع إلى محكمة تفتيش عمياء، تصدر أحكامها بناء على وثائق لا أصل لها.
الخطر الأكبر لهذه الممارسات لا يكمن فقط في الظلم الواقع على الأفراد المستهدفين زورا؛ بل في توفير حصانة غير مرئية للفاسدين الحقيقيين، الذين يقفون في الظل يراقبون المشهد بابتسامة ساخرة، مدركين أن الحقيقة قد ماتت مخنوقة بحبال الأكاذيب التي نسجوها بأنفسهم.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
10-02-2026 10:00 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||