حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,10 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 7761

حين تُدار العدالة من خلف الأرقام

حين تُدار العدالة من خلف الأرقام

حين تُدار العدالة من خلف الأرقام

09-02-2026 09:13 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم :
محمد إبراهيم مطالقة-محامٍ وباحث قانوني
(تعديلات على قانون الملكية العقارية والتفافٌ هادئ على الضمانة الدستورية)


ليست المشكلة في أن تُعدِّل الدولة قوانينها، فالتشريع بطبيعته كائن حيّ يتطور مع الزمن. إنما تكمن الخطورة في المنهج الذي تُدار به هذه التعديلات حين تمس جوهر الحقوق. فمشروع تعديل قانون الملكية العقارية قُدِّم بوصفه إصلاحاً إجرائياً يهدف إلى تسريع إزالة الشيوع، وتسهيل التداول، وتشجيع الاستثمار. وهي أهداف مشروعة في ظاهرها. غير أن القراءة القانونية المتأنية للنصوص تكشف أن هذا التيسير لم يأتِ مجاناً، بل جاء مقروناً بإعادة تشكيل صامتة لمفهوم التعويض العادل وحدود الدور القضائي.

فالخطر هنا لا يُعلن عن نفسه، بل يعمل من داخل النص.

المادة (190/ب): حين يُختزل التعويض إلى هامش إداري
ربط تعديل المادة (190/ب) مقدار التعويض بنسبة لا تتجاوز (10%) فوق السعر الإداري المعتمد بتاريخ الاستملاك. وهذا النص لا يضبط التقدير كما قد يُفهم، بل يُعيد تعريفه من حق دستوري إلى هامش إداري مُسبق الصنع.
فالسعر الإداري ليس ثمناً، ولا يعكس قيمة سوقية حقيقية، بل هو رقم تنظيمي ثابت للحوض كامل، وُضع لأغراض الرسوم والاستدلال، ولا يراعي الموقع الجغرافي، ولا الخصائص الفردية للعقار، ولا العرض والطلب، ولا أثر الاستملاك على ما تبقى من الأرض. ومع ذلك، يُفرض هذا الرقم كسقف لا يجوز تجاوزه.
وهنا لا يُقيَّد التقدير فقط، بل يُعاد تشكيل الدور القضائي. فالإشكالية ليست في النسبة، بل في الجهة التي صنعت المعيار وحددت سقفه، ثم طلبت من القضاء الالتزام به. في هذه المعادلة، لا يُترك للقاضي أن يبحث عن العدالة الواقعية، بل يُطلب منه أن يتحرك داخل إطار صُمِّم خارج المحكمة، وبأداة إدارية، من خصم يسعى إلى تقليص كلفة نزع الملكية.
من سلطة تقدير إلى وظيفة تصديق
حين يُفرض سقف مسبق للتعويض، فإن القاضي لا يعود مُقدِّراً بالمعنى الحقيقي، بل مُصدِّقاً على رقم، مع هامش لا يغيّر من جوهر النتيجة. وهذا التحول الصامت ليس مسألة إجرائية، بل مساس مباشر باستقلال القضاء، لأن سلطة التقدير في دعاوى الاستملاك ليست تفويضاً تشريعياً قابلاً للتقييد، بل ضمانة جوهرية لتحقيق العدالة.

الاستملاك: منفعة عامة بتمويل فردي
الاستملاك، في فلسفته الدستورية، استثناء خطير على الأصل، لا يُمارس إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل. غير أن ربط التعويض بسقف إداري لا يعكس القيمة الحقيقية ينقل عبء هذه المنفعة من المجتمع إلى المالك وحده، فيتحول التعويض إلى تسوية قسرية لا تجبر الضرر، بل تُديره.
فالمالك لم يختر البيع، ولم يفاوض على الثمن، ولم يدخل السوق طوعاً. ومساواة هذا الوضع بعقود البيع أو بمنطق الأسعار الإدارية تُفرغ حق الملكية من مضمونه، وتُعيد تعريفه بوصفه رقماً قابلاً للاقتطاع المنهجي.
المادة (2): إعادة تعريف الطريق… وإعادة تقييد الملكية
إدخال سكة الحديد ضمن تعريف الطريق لا يُعد تعديلاً لغوياً بريئاً، بل توسعاً تشريعياً يُعيد رسم نطاق القيود المفروضة على الملكية المجاورة. فالطريق العام، في المفهوم القانوني المستقر، مرفق مفتوح لمرور الكافة، بينما سكة الحديد منشأة ذات طبيعة خاصة ومنافذ محدودة.
وإدراجها ضمن هذا التعريف قد يؤدي عملياً إلى اعتبار المشروع استملاك طريق، بما يترتب عليه تجريد الأجزاء المتبقية من العقار من قيمتها ومنع الانتفاع بها، دون نص صريح يُقر هذا الأثر أو يعوض عنه.
المادة (192/أ): حين يُساوى ما يُضيف قيمة بما يُفقدها… يسقط التبرير الدستوري
إن إضافة عبارة «أو لإنشاء المرافق العامة» إلى المادة (192/أ) لا تمثل مجرد توسع في نطاق الاستملاك، بل خلطاً تشريعياً بين أوضاع قانونية متباينة في طبيعتها وأثرها. فالتمييز بين الطريق والمرافق العامة ليس تفصيلاً فقهياً، بل قاعدة دستورية جوهرية، لأن كلاً منهما يُنتج أثراً مختلفاً على قيمة العقار وعلى جوهر الملكية.
فالطريق العام، وعلى الرغم من الجدل الدستوري القائم حول ما يُعرف بالربع القانوني، إلا أن الواقع العملي يُظهر أن إنشاء الطريق غالباً ما يؤدي إلى زيادة القيمة الاقتصادية للعقار المتبقي، من حيث تحسين الموقع، وتعدد الواجهات، ورفع الطلب، وتوسيع فرص الاستثمار. وهذا الأثر الإيجابي – مهما كان محل نقاش – شكّل أحد المبررات التي بُني عليها هذا النظام تاريخياً.
أما الاستملاكات الأخرى لإنشاء المرافق العامة، كشبكات المياه والصرف الصحي، وخطوط الغاز، ومحطات الكهرباء، والمنشآت التشغيلية المغلقة، فهي لا تُضيف قيمة، بل تُنشئ قيوداً دائمة على استعمال العقار، وتحدّ من إمكان تطويره أو استثماره أو التصرف فيه، وقد تُفرغ ما تبقى منه من أي جدوى اقتصادية. وهي مرافق غير مفتوحة لمرور الكافة، ولا تُنتج أثراً استثمارياً، بل أثراً سلبياً مستمراً.
ومن ثم، فإن مساواة هذه الاستملاكات بالطريق وإخضاعها لذات الأحكام يُشكّل إخلالاً صارخاً بمبدأ التناسب، لأن المالك يُعامل معاملة من استفاد عقاره من الطريق، بينما هو في الحقيقة تحمّل عبئاً خالصاً بلا مقابل معادل.
ولا يجوز دستورياً مساواة استملاكٍ يُضيف قيمة باستـملاكٍ يُفقدها، ولا يجوز قانوناً تحميل المالك ذات الأثر دون ذات العائد؛ فحيث يختلف الأثر، يسقط التبرير، وحيث يسقط التبرير، يسقط النص.
تجربة تشريعية لا يجوز إنكارها
شهد قانون الاستملاك الأردني محاولات سابقة لفرض سقوف ومعايير مُسبقة للتقدير وربط التعويض ببدل المثل أو بأثمان مُعلنة لا تعكس الواقع، وانتهت تلك التجارب – بعد تطبيق عملي قصير – إلى الإلغاء والرد، لثبوت تعارضها مع أبسط قواعد العدالة ولمساسها المباشر بسلطة القضاء. إعادة إنتاج الفكرة اليوم بصياغة أكثر هدوءاً لا يجعلها إصلاحاً، بل تكراراً محسوباً لخطأ ثبت فشله.
ختاما اقول ان الالتفاف لا يقل خطورة عن المخالفة الصريحة
إن أخطر ما في هذه التعديلات ليس نصاً بعينه، بل المنهج التشريعي الذي تقف خلفه. فالدستور لم يحمِ الملكية الخاصة بنص إنشائي، بل جعل نزعها استثناءً ضيقاً مشروطاً بالمنفعة العامة والتعويض العادل، وترك للقضاء سلطة تقدير هذا التعويض بوصفه الضمانة الأخيرة للمواطن.
وحين تُفرغ هذه الضمانة من مضمونها بسقوف إدارية، وتعريفات موسعة، وعبارات مطاطة، فإننا لا نكون أمام تعديل عادي، بل أمام التفاف هادئ على الدستور: لا يُعلن الخصومة معه، بل يُحاكي لغته ويُفرغ مقاصده.
فالخطر الحقيقي ليس في أن يُقال إن الملكية مصونة، بل في أن تُصان شكلاً وتُنتقص فعلاً.








طباعة
  • المشاهدات: 7761
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
09-02-2026 09:13 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم