حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,10 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4294

د. عبدالكريم الشطناوي يكتب: شبكات التواصل الاجتماعي الألكترونية ما لها وما عليها

د. عبدالكريم الشطناوي يكتب: شبكات التواصل الاجتماعي الألكترونية ما لها وما عليها

د. عبدالكريم الشطناوي يكتب: شبكات التواصل الاجتماعي الألكترونية ما لها وما عليها

09-02-2026 04:37 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د.عبدالكريم الشطناوي
هي عبارة أطلقها ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع (قبل أوغست كونت الفرنسي)، ليعبّر بها عن حقيقة مفادها أن الإنسان، بفطرته التي فطره الله عليها، يميل إلى الاختلاط بالآخرين من أفراد مجتمعه، ومشاركتهم مختلف أنشطة الحياة. فالإنسان لا يحتمل العزلة ولا يستطيع البقاء وحيدًا بعيدًا عن غيره.

ويعني ذلك أن حياة الفرد لا تكتمل، ولا يتحقق وجوده الإنساني، إلا ضمن جماعة من بني جنسه، نظرًا لعجزه عن استكمال متطلبات حياته بمفرده، إذ يحتاج إلى الآخرين في العون والتعاون وتبادل المصالح الضرورية لاستمرارية الحياة؛ فالفرد للمجموع، والمجموع للفرد.

وقد أدى هذا التلاحم بين الناس إلى نشوء شبكة من العلاقات الاجتماعية والتنظيمية التي تُعنى بضبط شؤون الحياة المختلفة، وتنظيم التفاعل بين الأفراد.

ومع تطور الحياة، أحدثت التكنولوجيا تطورًا هائلًا في مختلف المجالات التي يعيشها الإنسان، كالصناعة، والعلوم، والتعليم، والخدمات الطبية والعسكرية، وكذلك في مجال التواصل الاجتماعي. فلم يعد التواصل مقتصرًا على اللقاءات المباشرة، أو تبادل الزيارات، أو المكالمات الهاتفية، بل تطور ليشمل مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية التي أتاحت للفرد التفاعل مع غيره في أي وقت ومكان، صوتًا وصورة.

وقد تسللت التكنولوجيا الحديثة إلى هذا النمط من التواصل عبر أدوات وأجهزة متقدمة، في مقدمتها الشبكة البينية (الإنترنت). وتكمن أهمية هذه الشبكات في أنها جعلت العالم قرية صغيرة؛ إذ تحطمت الحدود الجغرافية، وتغلب الإنسان على بعدي الزمان والمكان، فأصبح العالم بين يديه وفي متناوله، كما أسهمت في إشباع حاجاته الاجتماعية من خلال توفير بيئة تفاعلية ميسّرة.

وتعددت أغراض شبكات التواصل الاجتماعي، فلم تعد مقتصرة على تبادل الحوارات والآراء والأفكار فحسب، بل أصبحت وسيلة للحصول على الأخبار والمعلومات، ودراسة الماضي، ومتابعة الحاضر، والاستفادة في طلب العلم والمعرفة، بما يخدم القارئ العادي والباحث على حد سواء. كما أنها تُعد مجانية نسبيًا، ولا تتطلب إنفاقًا ماديًا كبيرًا لاستخدامها.

وتُعتبر هذه الشبكات منبرًا لمن لا منبر له، ومصدر علم ومعرفة لمن يحسن توظيفها، وميدانًا خصبًا لإقامة العلاقات الاجتماعية والودية، ووسيلة تقرّب البعيد وتختصر الوقت والجهد، بل أصبحت صديقًا وأنيسًا لكثيرين، وملاذًا للبحث عن المعلومة في شتى مجالات الحياة: الدينية، والاجتماعية، والسياسية، والطبية، والنفسية.

إلا أن لهذه الشبكات سلبيات لا يمكن إغفالها، خاصة في ظل غياب التربية والتوعية، إذ قد تتحول إلى أداة لهو تُهدر الوقت والجهد دون فائدة، وتؤثر سلبًا في السلوك من خلال التعرض لمحتويات ضارة، فضلًا عن الإدمان الذي قد يعزز العزلة والتوحد.

ومن هنا، يتضح أن شبكات التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين: إيجابي إذا أُحسن استخدامها في البناء والتطوير والاستفادة من العلم النافع، وسلبي إذا استُخدمت في الاتجاه المعاكس لقيم الحياة، فتتحول إلى أداة هدم، ووسيلة لإشاعة الفتن، وقطع العلاقات، ونشر الغث من المعلومات.

وهذا يستدعي الحذر عند تلقي المعلومات، فليس كل ما يُكتب صحيحًا، خاصة في العلوم الإنسانية، حيث تتعدد الروايات وتختلف الاتجاهات والمذاهب. لذلك، تبرز أهمية الدراسة النقدية التحليلية الموضوعية التي تهدف إلى تمييز الصحيح من الزائف، وتحليل الأسس المعرفية والأدوات المستخدمة في إنتاج المعرفة.

وتنقسم الآراء حول شبكات التواصل الاجتماعي بين فريق يرى فيها جانبها المضيء لما أسهمت به من رفع الوعي وتوسيع الإدراك، وفريق آخر يرى فيها جانبها المظلم لما أحدثته من انحلال أخلاقي وانفلات سياسي. ومن هنا، يصبح لزامًا اتخاذ موقف متوازن يبيّن ما لها وما عليها.

ومن إيجابياتها أنها أتاحت الفرصة أمام الكثير من أصحاب الكفاءات والقدرات للظهور والتأثير، وفرضت حضورها على صناع القرار، وسهّلت الوصول إلى المعلومات، والتعرف على ثقافات الشعوب، كما أثرت في وسائل الإعلام التقليدية، ووفرت فرص عمل، وكانت مصدر متعة لبعض المستخدمين.

أما سلبياتها، فتتمثل في الإسهام في التفكك الأسري، ونشر الرذيلة، والإدمان، والكسل، والعزوف عن قراءة الكتب، وانتشار الكتابات غير الدقيقة، والألفاظ النابية، والأخطاء اللغوية، فضلًا عن إساءة استخدام التفاعلات والتعليقات لأغراض الإيذاء أو التتبع.

وخلاصة القول: إن شبكات التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين؛ تكون إيجابية إذا خضعت للقيم والمثل العليا، وسلبية إذا غابت عنها الرقابة والتوجيه، بما يهدد تماسك المجتمع وتضامنه.

د. عبدالكريم الشطناوي











طباعة
  • المشاهدات: 4294
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
09-02-2026 04:37 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
لا يمكنك التصويت او مشاهدة النتائج

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم