حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الإثنين ,9 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5820

د. جهاد يونس القديمات يكتب: مدير في إجازة .. اختبار الفوضى أم التمكين؟

د. جهاد يونس القديمات يكتب: مدير في إجازة .. اختبار الفوضى أم التمكين؟

د. جهاد يونس القديمات يكتب: مدير في إجازة ..  اختبار الفوضى أم التمكين؟

08-02-2026 01:45 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. جهاد يونس القديمات
أن يأخذ المدير إجازة هي فكرة ما تزال عند البعض مرتبطة بالترف أو الهروب من المسؤولية، بينما هي في الحقيقة أداة إدارية ذكية لها أبعاد نفسية وتنظيمية عميقة، فالمدير الذي لا يغيب أبدا عن مكتبه قد يبدو ملتزما، لكنه في الواقع يبني نظاما هشا يتمحور حوله وحده، ويستنزف طاقته، ويعطل نمو الفريق من حيث لا يدري، هنا تبدأ قيمة إجازة المدير ليس كراحة شخصية فقط، بل كاختبار قاس لصحة النظام الإداري وفعالية فريق العمل.


أهمية إجازة المدير تبدأ من البعد الإنساني، فضغط القرار اليومي، وإدارة النزاعات، وكثافة الاجتماعات، وملاحقة الأهداف، كلها تراكم توترا ذهنيا يضعف جودة الحكم بمرور الوقت، والإجازة تعيد التوازن، وتمنح الدماغ فرصة لإعادة الضبط، والمدير الذي يعود بعد انقطاع مدروس غالبا ما يعود برؤية أوسع وقدرة أفضل على ترتيب الأولويات بدل الغرق في التفاصيل.


لكن البعد الأخطر يظهر حين نربط الإجازة بثلاثية مدمرة في الإدارة وهي: المركزية الشديدة، والإدارة المايكروسبية او التفاصيلية Micromanagement، وضعف تمكين الموظفين، فالمدير المركزي يرى نفسه نقطة المرور الإلزامية لكل قرار، مهما كان صغيرا، فلا توقيع دون موافقته، ولا بريد يخرج دون مراجعته، ولا فكرة تنفذ دون ختمه، في الظاهر يبدو حريصا على الجودة والسيطرة على المخاطر لكنه في العمق يصنع عنق زجاجة إداري يخنق العمل ببطء.


هذا النمط المركزي يولد تلقائيا مديرا تفصيليا Micromanager ، لأن القرار محتكر في القمة، يصبح كل تفصيل ساحة نفوذ، وكل مهمة صغيرة معركة سيطرة، فالمدير التفاصيلي لا يثق بسهولة، بل يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويعيد صياغة كل عرض، ويصحح كل رسالة، وكأنه يقول ضمنيا: أنا النظام، وأنا الضمان، وأنا الحل!، المشكلة أن هذا الأسلوب لا يبني منظمة، بل يبني تبعية مرضية لشخص واحد.
عندما يأخذ هذا المدير المركزي التفاصيلي إجازة، يحدث اختبار وجودي للمنظمة، إما تنهار الأمور سريعا، أو تتحسن فجأة بشكل صادم، و في حالة الانهيار، يتضح أن المنظمة لم تكن تملك نظاما أصلا، بل كانت تعيش على ذاكرة المدير وسلطته، فلا أحد يعرف من يقرر، ولا أحد يجرؤ أن يقرر!، لأن كل شيء كان مشروطا بموافقته، وهذا ليس ضعف موظفين، بل نتيجة طبيعية لمركزية قتلت الاستقلالية تدريجيا.
أما الحالة الأخطر نفسيا للمدير، فهي أن تسير الأمور أفضل في غيابه، هنا تتخذ القرارات أسرع، تختفي حلقات الانتظار، يقل التوتر، وتظهر مبادرات فردية كانت مكبوتة، وفجأة يكتشف الجميع أن المشكلة لم تكن في ضعف الفريق، بل في أسلوب قيادة كان يخنقهم، هذه اللحظة تكشف العلاقة العميقة بين المركزية والبيئة السامة: كفلما تركزت السلطة، تركز معها الخوف، وتراجع معها الإبداع.
المركزية الشديدة تصنع بيئة عمل سامة دون ضجيج. حين يسحب القرار من يد الموظف، ويسحب معه الشعور بالقيمة، وحين يطلب من الموظف تنفيذ فقط دون فهم أو مشاركة، يتحول إلى أداة لا شريك، وهذا يولد اغترابا وظيفيا، إحباطا صامتا، وسلوكيات دفاعية: تجنب المبادرة، والخوف من الخطأ، والاكتفاء بالحد الأدنى المقبول!، في هذا المناخ، لا أحد يفكر خارج الصندوق، لأن الصندوق نفسه محروس بالخوف.
المدير التفاصيلي في بيئة مركزية يرسخ هذا السمية يوميا، كثرة التدخل تشعر الموظف بأنه غير كفؤ، والمراجعة المفرطة تزرع القلق، والرقابة المستمرة تقتل الدافع الداخلي، ومع الوقت، يتحول الفريق إلى صف من المنفذين الصامتين ينتظرون التعليمات بدل أن يفكروا، وهذا لا ينتج جودة عالية، بل ينتج جمودا عالي التكلفة، ودوران موظفين، وتآكلا بطيئا في سمعة المنظمة داخليا وخارجيا.
هنا تأتي إجازة المدير كمرآة كاشفة لكل هذا الخلل، فإذا شعر الموظفون براحة نفسية غير مسبوقة أثناء غيابه، فهذا مؤشر قوي على أن بيئة العمل كانت خانقة، ووإذا ارتفعت الإنتاجية بدل أن تنخفض، فهذا دليل عملي على أن المركزية والتدخل المفرط كانا عائقين لا ضمانة جودة، والإجازة في هذه الحالة ليست راحة، بل أداة تشخيص إداري دقيقة.
في المقابل، تمكين الموظفين Employees Empowerment هو النقيض الصحي للمركزية، التمكين لا يعني الفوضى ولا إسقاط المسؤولية، بل توزيع ذكي للصلاحيات، وثقة مشروطة بالمساءلة، ومساحة آمنة للخطأ والتعلم، فالمنظمة الممكنة هي التي يعرف فيها كل شخص: ما الذي يقرره؟ ما الذي لا يقرره؟ ومتى يصعد القرار؟ هذا الوضوح وحده يقلل 50% من التوتر الإداري Administrative Stress.
إجازة المدير هنا تتحول إلى اختبار لمدى التمكين الحقيقي لا المزعوم، فإذا استمر العمل بسلاسة، فهذا يعني أن الصلاحيات كانت موزعة، وأن الفريق معتاد على اتخاذ القرار، وأن النظام أقوى من الفرد، أما إذا توقفت كل الأمور بغيابه، فهذا اعتراف ضمني بأن التمكين كان شعارا لا ممارسة، وأن المركزية كانت أعمق مما يعلن.
المدير الحقيقي لا يقاس بمدى احتياج المنظمة له يوميا، بل بمدى قدرتها على الاستمرار بدونه مؤقتا، فكلما كانت الإجازة مستحيلة، كان ذلك دليلا على فشل في التفويض وبناء الصف الثاني من القادة، فالمنظمة الصحية لا تخاف من غياب قائدها، لأنها لا تدار بعقل واحد، بل بعقول متكاملة ضمن نظام واضح.
الإجازة الذكية للمدير، خاصة المركزي التفاصيلي، يجب أن تكون لا عشوائية، بل تفويض مكتوب، تووزيع صلاحيات، توحديد خطوط قرار، وتعريف واضح بما يُحسم محليا وما يصعد للاعلى للحسم، والهدف ليس ترك الفريق في الفوضى، بل مراقبة ما يحدث حين يرفع الضغط الإداري، فهذه الفترة القصيرة قد تعطي مؤشرات أدق من عشرات تقارير الأداء والاجتماعات الشكلية.
الأثر طويل المدى لإجازة المدير في هذا السياق يتجاوز الراحة إلى إعادة هندسة القيادة نفسها، فكثير من المديرين المركزيين التفاصيليين يعودون من الإجازة بصدمة صحية: المنظمة لم تنهر، والفريق لم يفشل، بل ربما تحسن، وهذه الصدمة قد تكون بداية تحول حقيقي من السيطرة إلى التمكين، ومن الشك إلى الثقة، ومن الفرد إلى النظام.
في المحصلة، مدير في إجازة ليست عنوانا للغياب، بل عنوانا لكشف الحقيقة، وهي اختبار لصلابة المنظمة، ومرآة للمركزية، وكاشف مبكر لبيئة العمل السامة، ومقياس صريح لمدى تمكين الموظفين، فالمدير الذي يجرؤ على أن يغيب، ويتعلم مما يحدث في غيابه، هو المدير الذي يملك فرصة حقيقية ليقود منظمة صحية لامنظمة معلقة بشخص واحد مركزي تفاصيلي متوحد.











طباعة
  • المشاهدات: 5820
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
08-02-2026 01:45 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم