04-02-2026 08:31 AM
بقلم : الصيدلي عدوان قشمر نوفل
عشية مفاوضات إسطنبول المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يتقدّم الشرق الأوسط خطوة أخرى نحو مفترق طرق حاد: إما تسوية مؤقتة تُخفف التوتر، أو مواجهة عسكرية مؤجلة قد تكون أوسع وأقسى من سابقاتها. ففي الوقت الذي تُطلق فيه طهران إشارات غير مسبوقة عن استعدادها “لتعليق أو حتى إغلاق” برنامجها النووي، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة التهديد المفتوح، مقرونة بحشد عسكري متصاعد ورسائل دبلوماسية ملتبسة.
هذا المشهد لا يعكس تناقضًا، بل إدارة محسوبة للأزمة، حيث تُستخدم المفاوضات كأداة ضغط، ويُستخدم التهديد كرافعة سياسية، فيما تراقب إسرائيل التطورات بقلق بالغ، خشية أن ينتهي الأمر باتفاق نووي ضيق لا يلامس جوهر الخطر الحقيقي بالنسبة لاسرائيل
أولًا: المرونة الإيرانية… تكتيك لا تحوّل
التسريبات المنسوبة إلى مصادر إيرانية، والتي تحدثت عن إمكانية تعليق أو إغلاق البرنامج النووي في إطار اتفاق مع واشنطن، بدت للوهلة الأولى وكأنها اختراق كبير في الموقف الإيراني التقليدي. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن ما يُطرح ليس تفكيكًا شاملًا ولا تخليًا نهائيًا عن المشروع، بل مناورة سياسية مدروسة تهدف إلى تهدئة التهديد الأميركي المباشر وكسب الوقت.
إيران لم تتراجع عن رفضها وقف التخصيب داخل أراضيها كليًا، لكنها أعادت إحياء فكرة “الكونسورتيوم النووي الإقليمي”، حيث يتم التخصيب خارج إيران مقابل احتفاظها بالخبرة والبنية التحتية العلمية. هذا النموذج يعكس جوهر الاستراتيجية الإيرانية: الحفاظ على القدرة الكامنة، حتى لو جرى تعليق استخدامها مؤقتًا.
ثانيًا: نقل اليورانيوم إلى روسيا… تدويل الأزمة
إبلاغ القيادة الروسية باستعداد طهران لنقل اليورانيوم المخصب إلى موسكو، كما فعلت في اتفاق 2015، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خطوة ذات أبعاد سياسية عميقة. فإخراج المادة النووية من الداخل الإيراني يخفف احتمالات الضربة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يضع روسيا في موقع الضامن والشريك غير المعلن في أي تفاهم مستقبلي.
بهذه الخطوة، تحاول إيران:
تحييد خطر الاستهداف المباشر
إدخال موسكو طرفًا وازنًا في المعادلة
ربط الملف النووي بتوازنات دولية أوسع من العلاقة الثنائية مع واشنطن
أما روسيا، فترى في ذلك فرصة لاستعادة دورها في ملف دولي حساس، وتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط في مواجهة الولايات المتحدة.
ثالثًا: ترامب… التهديد كأداة تفاوض
في المقابل، لا يتعامل الرئيس الأميركي مع الأزمة بمنطق الدبلوماسية التقليدية. تصريحاته عن “أمور سيئة ستحدث” إذا فشلت المفاوضات، تترافق مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، دون إعلان صريح عن نية شن هجوم وشيك.
هذه المقاربة تعكس أسلوب ترامب المعروف:
ضغط عسكري فعلي
تهديد لفظي مفتوح
وإبقاء باب الصفقة مفتوحًا حتى اللحظة الأخيرة
ترامب لا يبحث بالضرورة عن اتفاق شامل وطويل الأمد، بل عن إنجاز سياسي سريع يمكن تسويقه داخليًا، حتى لو كان اتفاقًا مؤقتًا أو ناقصًا من حيث المضمون الاستراتيجي.
رابعًا: القلق الإسرائيلي… الخطر ليس نوويًا فقط
في إسرائيل، لا يُنظر إلى المفاوضات الجارية بارتياح. فالتقدير السائد في الأوساط الأمنية والسياسية أن الخطر الوجودي لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يتمثل بصورة متزايدة في الترسانة الصاروخية الباليستية الإيرانية، وفي شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران خلال السنوات الماضية.
الخشية الإسرائيلية الأساسية هي من سيناريو تُبرم فيه واشنطن اتفاقًا يقيّد التخصيب النووي، مقابل تجاهل ملف الصواريخ وتمويل الأذرع الإقليمية. مثل هذا الاتفاق، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يزيل التهديد، بل يؤجله ويمنح إيران مساحة لإعادة بناء قدراتها في مجالات أخرى.
لذلك تكثّف إسرائيل تنسيقها مع الولايات المتحدة، وتصرّ على نقل خطوطها الحمراء بوضوح:
لا نووي، ولا صواريخ استراتيجية، ولا تساهل مع مشروع إقليمي يهدد الأمن الإسرائيلي مباشر
.
خامسًا: لماذا تصرّ إيران على حصر التفاوض بالنووي؟
إصرار طهران على أن تكون المفاوضات “نووية فقط” يعكس طبيعة عقيدتها الأمنية. فالصواريخ الباليستية تُعد، من منظور إيراني، ركيزة الردع الأساسية، وأي نقاش حولها يُنظر إليه كمساس بجوهر الأمن القومي للنظام.
الأمر ذاته ينطبق على النفوذ الإقليمي؛ فهذه الأدوات ليست أوراق تفاوض عابرة، بل عناصر بنيوية في استراتيجية إيران الإقليمية. القبول بمناقشتها يعني اعترافًا بضعف استراتيجي لا يستطيع النظام تحمّله داخليًا أو خارجيًا.
خاتمة: صفقة تؤجل الانفجار
المشهد الراهن يشير إلى أن المنطقة ليست أمام سلام شامل، ولا أمام حرب حتمية وفورية، بل أمام صفقة محتملة تؤجل المواجهة. اتفاق جزئي، يخفف التوتر ويؤجل الانفجار، دون معالجة جذور الصراع.
لكن في الشرق الأوسط، التجارب السابقة تؤكد أن الأزمات المؤجلة نادرًا ما تختفي، وغالبًا ما تعود بصورة أعنف، وفي توقيت أقل قابلية للاحتواء.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
04-02-2026 08:31 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||