فيصل تايه يكتب: قناة المملكة .. زلة "وسم" اثارت أزمة وعي

منذ 3 شهور
المشاهدات : 9773
فيصل تايه يكتب: قناة المملكة ..  زلة "وسم" اثارت أزمة وعي
فيصل تايه

فيصل تايه

ما جرى مؤخراً مع "قناة المملكة" لا يمكن قراءته بوصفه مجرد رد فعل عابر على خطأ تحريري محدود، بل يبدو أقرب إلى هجمة مقصودة استثمر فيها الخطأ أكثر مما استفسر عنه، واستخدم كذريعة لا كواقعة، وكأن هناك من كان ينتظر أي هفوة، مهما صغرت، ليبني عليها اتهامات كبيرة تتجاوز الفعل نفسه وتذهب مباشرة إلى النيات والولاءات والوطنية.

إدراج كلمة “ترامب” كوسم مرافق لخبر وطني يتعلق بالتحاق أبنائنا بمراكز تدريب خدمة العلم كان خطأ واضحاً لا لبس فيه، لكنه خطأ لم يغير فحوى الخبر او جوهره ، ولم يمس مضمونه الوطني، ولم يستمر سوى دقائق قبل تصحيحه، ومع ذلك جرى التعامل معه وكأنه موقف سياسي متعمد أو رسالة خفية أو انحياز مقصود، وهي قفزة غير منطقية في الاستنتاج لا يبررها لا حجم الخطأ ولا طبيعته.

اللافت أن كثيرين ممن تصدروا الهجوم لم يتوقفوا عند السؤال المهني الطبيعي : كيف حدث الخطأ؟ بل تجاوزوه فوراً إلى سؤال أخطر وأكثر عدوانية: لماذا حدث؟ ومن يقف خلفه؟ وكأن الجواب جاهز سلفاً، وكأن القناة موضوعة سلفاً في خانة الاتهام، لا بوصفها مؤسسة إعلامية تخطئ وتصيب، بل بوصفها هدفاً ينبغي النيل منه كلما سنحت الفرصة.

هنا تحديداً تتكشف الصورة الحقيقية للهجمة، فهي ليست دفاعاً عن المهنية بقدر ما هي توظيف سياسي وشعبوي لزلة تحريرية، وليست حرصاً على الوعي العام بقدر ما هي محاولة لإرباك مؤسسة إعلامية نجحت، خلال فترة قصيرة، في أن تكون رقماً صعباً في المشهد الإعلامي الأردني.

قناة المملكة لم تُهاجَم لأنها أخطأت، فالأخطاء تقع يومياً في أكبر المؤسسات الإعلامية العالمية دون أن تتحول إلى محاكم تفتيش وطنية، بل تُهاجم لأنها كسرت نمطاً تقليدياً في الخطاب، وقدمت محتوى إخبارياً وتحليلياً أكثر مهنية وهدوءا في زمن اعتاد فيه البعض على الإثارة والاصطفاف الحاد ، وتُهاجَم لأنها لا تساير الضجيج، ولا تركض خلف الشعبوية، ولا تبني خطابها على الانفعال، وهذا وحده كاف لأن يزعج أطرافاً اعتادت أن تعيش على التوتر والتخوين ورفع السقوف بلا مسؤولية.

ثم إن السؤال الذي يتجاهله كثيرون عمداً : لو كانت هناك نية مبيتة أو رسالة سياسية كما يزعمون، هل كانت ستمرر بهذه السذاجة التقنية عبر وسم قابل للرصد خلال ثوان؟ أم أن المنطق البسيط يقول إن ما حدث خطأ بشري أو تقني في بيئة عمل سريعة وضاغطة؟ إن الإصرار على تفسير الخطأ باعتباره مؤامرة لا يكشف عن وعي عال، بل عن رغبة مسبقة في الإدانة، وعن استعداد لتغليب سوء الظن على أي تفسير عقلاني.

الأخطر في هذه الهجمة أنها لا تضرب قناة بعينها بقدر ما تضرب فكرة الإعلام المهني نفسه ، فحين يتحول أي خطأ، مهما كان محدوداً، إلى مبرر لنسف مؤسسة كاملة والطعن في وطنيتها، فإن الرسالة التي تُبعث إلى الصحفيين والعاملين في الإعلام هي رسالة خوف لا إصلاح، ورسالة ترهيب لا تصويب ، فالإعلام القوي لا يُبنى بالخوف، ولا بالهجوم المنظم، بل بالنقد العادل الذي يضع الخطأ في حجمه، ويطالب بالتصحيح لا بالإعدام المعنوي.

ومن حقنا جميعاً أن نختلف مع قناة المملكة، وأن ننتقد أداءها، وأن نطالبها بمزيد من الدقة والحذر، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية، ولا أن يوزع شهادات الولاء بناءً على وسم عابر أو خطأ لم يستمر دقائق فالوطنية لا تُقاس بالانفعال، ولا بالصراخ، ولا بالتخوين، بل بالحرص على مؤسسات الدولة، وبالنقد المسؤول الذي يقويها بدل أن يكسرها.

في النهاية، لا توجد مؤسسة معصومة من الخطأ، ولا إعلام بلا هفوات، لكن ما يميز المؤسسات الجادة هو اعترافها بالخطأ وتصحيحه، لا الادعاء بالكمال ، وقناة المملكة، في هذه الحادثة، صححت الخطأ ولم تكابر، وشكلت لجانها الداخلية، وتعاملت مع الأمر بمهنية، بينما اختار آخرون أن يتعاملوا معه كفرصة للهجوم لا للنقاش، وللتشويه لا للتقويم ، وهنا، تصبح المشكلة ليست في الخطأ، بل في طريقة استقباله، وفي نوايا من ضخموه، وفي السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح بصدق : هل نريد إعلاماً وطنياً قوياً يُحاسَب بعدل، أم نريد ساحة تصفية حسابات لا ينجو فيها أحد من السقوط؟
والله من وراء القصد
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم