حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
السبت ,31 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 6619

د. جهاد يونس القديمات يكتب: ادارة التوتر في المنظمات، وبيئة العمل الصحية!

د. جهاد يونس القديمات يكتب: ادارة التوتر في المنظمات، وبيئة العمل الصحية!

د. جهاد يونس القديمات يكتب: ادارة التوتر في المنظمات، وبيئة العمل الصحية!

31-01-2026 01:41 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. جهاد يونس القديمات
لم تعد إدارة التوتر في المنظمات لم تعد ترفا إداريا، بل أصبحت ضرورة للحفاظ على صحة الموظفين واستقرار الأداء، فالتوتر النفسي Stress هو حالة ضغط يشعر فيها الموظف أن متطلبات العمل تفوق قدرته على التحمل أو السيطرة، بخلاف الغضب Anger الذي يكون حادا ومفاجئا، فإن التوتر غالبا ما يتراكم ببطء عبر الزمن، لكنه يترك آثارا عميقة على التركيز والصحة والعلاقات المهنية، وإدارة التوتر Stress Management تعني مساعدة الموظفين على تقليل مستوى الضغط العام في حياتهم العملية، وبناء توازن أفضل بين الجهد والراحة، بدل ترك التوتر يتراكم حتى يتحول إلى إنهاك أو احتراق وظيفي .Burnout
تظهر ملامح التوتر في العمل بأشكال متعددة، قد يكون في صورة إرهاق دائم، وصداع متكرر، واضطراب نوم، وضعف تركيز، وسرعة انفعال، أو شعور مستمر بالقلق، كما يظهر سلوكيا في التأخر عن الدوام، وكثرة الأخطاء، وانخفاض الحافز، والتوتر في التعامل مع الزملاء والعملاء، وفي المنظمات ذات ضغط مواعيد تسليم مرتفع مثلا، قد يعمل الموظفون لساعات طويلة دون فواصل كافية، فيبدؤون بالشعور بالتعب النفسي، ثم تتراجع جودة أدائهم، ويزداد الاحتكاك بينهم، حتى لو لم تحدث مشكلة واضحة في البداية.
أسباب التوتر في المنظمات متعددة ومتشابكة، فمن أهمها ضغط المهام وكثرتها مقارنة بالوقت المتاح، وغموض الأدوار والمسؤوليات ، وضعف التخطيط، وتغير الأولويات بشكل مفاجئ، وضعف العدالة التنظيمية في توزيع الأعباء والمكافآت، كما يسهم أسلوب القيادة السلطوي أو غير الداعم في رفع مستوى التوتر، عندما يشعر الموظف أنه مراقب باستمرار أو مهدد بالعقاب، وتلعب العوامل الشخصية دورا أيضا، مثل ضعف مهارات إدارة الوقت، أو الخوف من الفشل، أو السعي للكمال المفرط، أبحاث في علم النفس التنظيمي، تشير إلى أن هذه العوامل إذا اجتمعت ترفع احتمال الاحتراق الوظيفي، وتزيد الغياب، ودوران الموظفين.
رغم أن التوتر يبدو سلبيا دائما، إلا أن له جانبا مبررا في بعض الحالات، فمستوى بسيط من التوتر الإيجابي قد يكون محفزا على الإنجاز، ويدفع الموظف للتركيز والالتزام بالمواعيد، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التوتر من دافع مؤقت إلى حالة مزمن، عندها يفقد التوتر دوره الإيجابي، ويبدأ بإضعاف الصحة النفسية والجسدية، ويقلل الإبداع، ويزيد الأخطاء، فموظف يشعر ببعض الضغط قبل عرض مهم قد يقدم أداء جيدا، لكن موظف يعيش تحت ضغط دائم دون دعم أو فواصل راحة غالبا ما يصل إلى مرحلة الإنهاك.
في المنظمات الحديثة، ينظر إلى إدارة التوتر كجزء من مسؤولية المنظمة تجاه رأس مالها البشري، فالدراسات تشير إلى أن ارتفاع مستويات التوتر في بيئة العمل يرتبط بانخفاض الرضا الوظيفي والإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وزيادة الحوادث والأخطاء، وفي المقابل، المنظمات التي تستثمر في برامج رفاه الموظفين تسجل تحسنا في الأداء العام، وانخفاضا في الغياب، وارتفاعا في الولاء المنظمي، شركات عالمية أدخلت سياسات عمل مرنة وفواصل راحة منظمة لاحظت تحسنا واضحا في معنويات الموظفين وجودة نتائجهم.
في الحالة الأردنية، أظهرت الدراسات أن التوتر منتشر بشكل واضح في عدة قطاعات، خاصة الصحة والتعليم، أجريت فدراسة في المستشفيات الجامعية بين الممرضين كشف عن مستويات عالية من التوتر النفسي وتأثيره السلبي على التزامهم بالعمل وجودة الخدمة المقدمة، كما بينت دراسة في محافظة إربد أن الصراع بين متطلبات العمل والحياة الأسرية يزيد من الشعور بالإرهاق والتوتر، ما يعكس أن الضغط النفسي ليس مرتبطا بالعمل فقط بل يمتد إلى الحياة الشخصية للموظفين، كذلك أظهرت دراسة بين الصيادلة في جنوب الأردن أن مستويات التوتر المرتفعة ترتبط بعدد ساعات العمل وكثرة الوصفات اليومية، وأن ذلك يؤثر على الأداء المهني، أما في المدارس الحكومية، فقد تبين أن الضغوط المتراكمة على المدرسين والمديرين تؤثر على أدائهم وتختلف حسب العمر والخبرة والحالة الاجتماعية.
تعتمد معالجة التوتر في المنظمات على مجموعة خطوات عملية ومترابطة، أولها تحسين بيئة العمل نفسها، من خلال تخفيف عبء المهام غير الضرورية، وتوضيح الأدوار، وتنظيم الأولويات، ووضع جداول زمنية واقعية، ثانيها تمكين الموظفين بمهارات شخصية مثل إدارة الوقت، وتحديد الأهداف، وتقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة، ما يقلل الشعور بالضغط والعجز، ثالثها دعم الصحة النفسية عبر توفير جلسات توعوية، أو برامج مساعدة للموظفين ، وهي ممارسات أثبتت فعاليتها في خفض مستويات التوتر.
كما تلعب القيادة دورا محوريا في إدارة التوتر، فالمدير الذي يستمع لموظفيه، ويعطيهم تغذية راجعة بناءة، ويعترف بجهودهم، ويمنحهم قدرا من المرونة، يخلق بيئة أقل توترا وأكثر أمانا نفسيا، وفي المقابل، القيادة المتسلطة أو المتقلبة في قراراتها ترفع مستوى القلق وعدم الاستقرار، وتؤكد دراسات في الإدارة الحديثة أن أسلوب القيادة الداعم يرتبط مباشرة بانخفاض التوتر وارتفاع الالتزام والأداء.
تظهر نتائج إدارة التوتر بوضوح على الأداء المنظمي، تقل حالات الغياب والتأخر، ويزداد التركيز والإبداع ، وتتحسن العلاقات داخل الفرق، ويصبح الموظفون أكثر قدرة على التعامل مع الضغط دون أن ينهاروا أو ينفجروا في وجه بعضهم، ففي إحدى المنظمات التي طبقت برنامجا لإدارة التوتر شمل مرونة في الدوام وورش توعوية، انخفضت شكاوى الإرهاق، وارتفع رضا الموظفين، وتحسنت مؤشرات الإنتاجية خلال عام واحد.
في النهاية، إدارة التوتر ليست مجرد رفاه نفسي، بل سياسة إدارية ذكية، فعندما تعترف المنظمة بحدود الطاقة البشرية، وتوفر بيئة عمل متوازنة وداعمة، فإنها لا تحمي موظفيها فقط، بل تحمي نفسها من خسائر صامتة تتراكم مع الوقت، فإدارة التوتر الجيدة تجعل بيئة العمل أكثر صحة واستقرارا، وتمنح المنظمات قدرة أعلى على الاستمرار والنجاح في عالم مليء بالضغوط والتغيرات.












طباعة
  • المشاهدات: 6619
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
31-01-2026 01:41 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تتحول التهديدات العسكرية المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى حرب شاملة بالمنطقة؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم