28-01-2026 04:29 PM
بقلم : الدكتور علي الصلاحين
منذ أن نفخ الله في الإنسان من روحه، وجعله خليفة في الأرض، والإنسان يعيش توتراً وجودياً بين العلو والسقوط، بين الهداية والضلال، وبين الأمانة التي حُمِّلها والضعف الذي جُبل عليه. هذا التوتر ليس عرضاً طارئاً في التاريخ، بل هو جوهر التجربة الإنسانية كما يصورها القرآن الكريم، حيث لا يُقدَّم الإنسان ككائن مكتمل، بل كمخلوق في طور الابتلاء:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. ومن هنا، فإن تاريخ الأقوام والديانات والحضارات ليس مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل هو سجل حيّ لتفاعل الإنسان مع الوحي، أو انحرافه عنه، ومع السنن الإلهية التي لا تحابي أحداً.
يعرض القرآن الأقوام السابقة لا بوصفهم أساطير غابرة، بل كنماذج إنسانية مكتملة الوعي والمسؤولية. فلم تكن المجتمعات الأولى بدائية الإدراك، بل كانت تدرك ربها، وإن شاب إدراكها الشرك أو التحريف:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
فالأسطورة، في المنظور القرآني، ليست بديلاً عن العقل، بل علامة على انحراف الفطرة حين تنفصل عن الهداية. ولهذا لم يكن الشرك جهلاً بوجود الله، بل سوء فهم لطبيعة العلاقة معه. فالدين في أصله كان توحيداً، ثم طرأ عليه الانحراف مع الزمن:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾.
ومع بعثة الرسل، انتقل الإنسان من التفسير الغامض للوجود إلى وضوح الرسالة والمعنى. لم يعد الكون مسرحاً لقوى متصارعة، بل مخلوقاً خاضعاً لإرادة واحدة، تحكمه سنن ثابتة، ويُطالَب الإنسان فيها بالعدل والإحسان. هنا يتشكل الإنسان القرآني ككائن أخلاقي مسؤول، لا ككائن خائف فحسب. فالعبادة في التصور القرآني ليست طقساً معزولاً، بل بناء للإنسان من الداخل:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.
غير أن الدين، حين ينفصل عن مقاصده، ويتحول إلى أداة سلطة أو تبرير اجتماعي، يفقد روحه، ويُعاد إنتاجه في صورة شكلية لا تغيّر الإنسان ولا تصلحه.
والقرآن، وهو يستعرض مصائر الحضارات الكبرى، لا يربط سقوطها بضعفها المادي، بل بانهيارها القيمي. فالهلاك لا يأتي فجأة، بل يسبقه فساد واستكبار وظلم:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾.
فحين يتحول العدل إلى شعار، والأمانة إلى خطاب، والإنسان إلى٠ وهكذا أعادت الحداثة إنتاج الوثنية بصورة جديدة، حيث تُؤلَّه المادة، ويُقَدَّس الاستهلاك، وتُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يكون. إن ما يوحد مسار الأقوام السابقة وحضارات اليوم، في الرؤية القرآنية، هو ثبات السنن الإلهية وثبات الطبيعة الإنسانية. فالخوف، والطمع، وحب الخلود، والبحث عن العدل، كلها عناصر راسخة في الإنسان. وما يتغير هو موقفه من الهداية: قبولاً أو إعراضاً. ولهذا فإن القرآن لا يروي التاريخ للتسلية، بل للعبرة:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وفي النهاية، لا يُقاس رقي الحضارة – في التصور القرآني – بما تنتجه من أدوات، بل بما تحققه من تزكية للإنسان. فالإنسان المستخلف هو من يجمع بين القوة والأمانة، وبين العقل والإيمان، وبين عمارة الأرض والخضوع لله. وبين ماضٍ امتلأ بالشواهد، وحاضرٍ يعيد الأسئلة ذاتها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يسير الإنسان وفق هدى السنن الإلهية، أم يكرر أخطاء من سبقه؟ والجواب، كما يقرر القرآن، لا تصنعه المعرفة وحدها، بل تصنعه الهداية حين تتحول إلى وعي وسلوك وحياة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
28-01-2026 04:29 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||