28-01-2026 08:34 AM
بقلم : العميد المتقاعد هاشم المجالي
هذا سؤال طرحه الأخ والصديق هاشم الخالدي صاحب موقع سرايا الاخباري المميز بجرأته وصدقه ،وهو سؤال مهم جدا ولا يمكن تثمينه أو تقيّمه إلا من قبل من يعرف خطورة الأدمان على الشخص نفسه أو على أهله ومجتمعه .
ومع الأسف أن هناك الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة كانت تتناول الإجابات الخاطئة على مثل هذا السؤال ، فمنهم من يقول : ما دخلني به ! أو أنني سأنصحه !أو أنني سأهدده بالبلاغ عنه لأهله أو للسلطات .
واسمحوا لي أن اجاوب هذا السؤال بسؤال أخر سيكون هو جوابا وخارطة طريق لمن يريد أن يتعامل مع هذا السؤال أو مع هذا الموقف .
لو أننا عرفنا أن هناك قنبلة عمياء موقوتة ببستانك أو بأرضك أو بحارتك أو بقريتك أو ب الحي الذي تسكن فيه ، فهل ستتعامل معها وتففكها أم ستنقلها إلى مكان أخر ؟أم أنك ستسكت عنها ؟ أم أنك ستقف وتحذر الناس منها ؟
أم أنك ستبلغ السلطات والمختصين للتعامل معها؟.
يا صديقي يا ابو زيد المحترم إن المدمن على المواد المخدرة هو كما قلت لك ونشرت وحذرت بأنه كالقنبلة العمياء التي لا يعرف متى ستنفجر ومن سيكون ضحاياها ، وهو بالمناسبة سيكون أول الضحايا في حالة انفجارها أو بقائها على حالها .
إن تعاطي المواد المخدرة بالتجربة لمرة واحدة أو مرتين تكفي أن تجعل الإنسان مدمنا يبحث عن الجرعة الثالثة مع رغبة بزيادة حجم ومقدار المادة المخدرة ،وفي كل مرة هو يتعاطى فيها سيبحث عن عالم مجهول واهما بأن هذه المادة قد تخرجه من عالمه وواقعه الذي يعيشه إلى عالما أخر خاليا من المشاكل والصعوبات .
إن المدمن على المواد المخدرة يا عزيزي سوف يفقد أهم الخلايا الدماغية التي تيسطر على الشعور بالحزن أو الفرح أو الحنان والإحسان ، وبالتالي فإن المدمن إن كان أباََ أو أماََ او ولداََ فلسوف يفقد الشعور بعاطفة الأبوة والأمومة والأخوة ، ولهذا صارت عندنا قضايا جنائية كان القاتل فيها مدمنا والمقتول فيها هو الإبن أو الأم أو العائلة بكاملها .
المدمن على المواد المخدرة سوف يفقد الخلايا الدماغية التي تعطي الإنسان ميزة تقدير المسافات والأحجام والأرقام، ولهذا صارت هناك قضايا لمدمنين سواقين ناقلات وشاحنات ضخمه ( الحشيش والكبتاغون ) داهمت تجمعات سكانية أو منازل كان يعتقد السائق فيها أن هناك مسافات بين سيارته التي يسوقها وبينهم .
التعاطي على المخدرات يخربط الخلايا التي تكون مسؤولة عن تنظيم الجهاز العصبي المنتشر في كل أنحاء جسم الإنسان والذي تتواجد مجساته تحت الجلد وبالتالي فإن المدمن سوف يفقد حاسة الشعور بالألم مما سيجعله حتما ومؤكدا عدوانيا وشرسا .
ولذلك فإن الإنسان الذي يتعاطى المخدرات سيفقد خلايا الشعور ( أبوة وأمومة وأخوة ) وخلاياه العصبية (الشعور بالألم ) والإدراكية التي تقيس المسافات والأحجام فإنه سوف يصير عبداََ للمُرَوج والتاجر سواء كان عاطلاََ عن العمل أو عاملا فإنه سيتعطل عن العمل وسيفقد الشرف و الكرامة غصبا عنه ويصبح عبداََ لهذه المادة ومروجها وتاجرها .
اعتقد أن السكوت عن المدمن أو التعامل معه بدون خبرة كمن سيسكت عن هذه القنبلة العمياء والموقوتة ولإن إنقطاعه عنها بسبب عدم توفر المال لشرائها أو لعدم توفرها سيشكل خطرا كبيرا عليه وعلى محيطه ، فالأولى إذن أن يُبلغ عنه وبدون علمه ومعرفته .
وهنا لا بد أن أنوه بأن إدارة مكافحة المخدرات تعتمد اعتمادا كليا على قدسية سرية المعلومة ومصدرها وتعالج المدمن وتتابعة بعد علاجه ولا تسجل عليه قيدا أو عقوبة بنص القانون اذا تقدم هو من تلقاء نفسه أو خبّر عنه أحد أفراد عائلته أو أحد اصدقاءه .
وأخير يا صديقي أبا زيد سألتني نفسي – وما أكثر ما تسأل حين يضيق بها الطريق –: أفي الصمت نجاة؟ أم في الكلام خيانة؟ أفي الستر رحمة؟ أم في البلاغ إنقاذ؟
وسألتني: ما ذنب من علم بآفةٍ تتخفّى في ثوب إنسان، وتتحرّك بين الناس كأنها منهم، وهي في حقيقتها نارٌ تمشي على قدمين؟
إن المدمن – يا صاحبي – ليس رجلاً أسرف في لذّة، ولا شاباً ضلّ ساعةً من نهار، بل هو روحٌ انخلع عنها زمامها، وعقلٌ تكسّرت فيه الموازين، وقلبٌ أُطفئت مصابيحه، فصار لا يعرف للخير وجهاً ولا للشر اسماً.
هو إنسانٌ نُزعت منه إنسانيته شيئاً فشيئاً، حتى غدا أداةً في يد السم، وسلاحاً أعمى لا يسأل: أين يضرب؟ ولا من يقتل؟
ولقد رأيتُ – أو سمعتُ، وما أبعد السمع عن الرؤية – آباءً ذبحوا أبناءهم، وأبناءً دنّسوا أمهاتهم، وإخوةً خانوا إخوتهم، لا لبغضٍ ولا لحقد، ولكن لأن المخدر قد مسح من صدورهم معاني الرحمة، كما يمسح الموج نقش الرمل.
فأيُّ سترٍ هذا الذي يُبقي مثل هذا الخطر حيّاً بين الناس؟ وأيُّ رحمةٍ تلك التي تترك الذئب يرعى بين الحملان؟
فهل أجبتك على سؤالك يا أبا زيد .
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
28-01-2026 08:34 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||