19-01-2026 09:12 PM
سرايا - في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتراجع فيه الروابط الإنسانية أمام المدن المكتظة والشقق الصغيرة، لم تعد العزلة حالة نادرة. صارت واقعا يوميا يعيشه ملايين البشر. أشخاص يعيشون بمفردهم، بعيدا عن العائلة والأصدقاء، وسط مدن لا تنام، لكن غيابهم قد لا يلاحظه أحد.
من هنا ظهر تطبيق صيني باسم صادم: "?Are You Dead".. اسم يلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى، لكنه يخفي وراءه فكرة بسيطة في شكلها، عميقة في معناها. سؤال واحد فقط، لكنه يعيد طرح تساؤل كبير عن حياتنا اليوم: هل ما نزال بخير؟
في زمن العزلة الرقمية، قد يكون هذا السؤال الفاصل بين الاطمئنان والغياب التام، بين شخص يشعر أن هناك من ينتبه له، وآخر يذوب في صمت طويل لا يلاحظه أحد.
خلال الأشهر الأخيرة، اجتاح التطبيق الصين، وتصدر قوائم التحميل، وأثار نقاشا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي. البعض رآه أداة ذكية تسد فجوة إنسانية تتسع يوما بعد آخر، بينما اعتبره آخرون مرآة مخيفة لمجتمع يتفكك فيه الاهتمام بالناس.
ما يكشفه التطبيق يتجاوز كونه تقنية جديدة. هو انعكاس لمأساة بشرية صامتة. كم من الأشخاص حولنا يعيشون معاناة لا نراها، ويمرون بظروف لا نعرف عنها شيئا؟
ما هو تطبيق "?Are You Dead"؟
هو تطبيق أمان شخصي طور في الصين، ويستهدف بشكل أساسي الأشخاص الذين يعيشون وحدهم، خاصة في المدن الكبرى، حيث تقل المتابعة اليومية من العائلة أو المحيط القريب. فكرة التطبيق بسيطة؛ يضغط المستخدم زرا يؤكد من خلاله أنه بخير، من دون تسجيل نشاطات أو مشاركة موقعه.
الميزة الأبرز أن التطبيق لا يتتبع المستخدم ولا يجمع بياناته، بل يكتفي بوظيفة واحدة فقط. عند توقف التفاعل، يطلق تنبيها قد يشير إلى وعكة صحية، حادث، أو ظرف طارئ. في هذه البساطة تكمن قوته، لأنه يذكرنا بأن غياب شخص عن الاهتمام ليس دائما خيارا، بل أحيانا نتيجة حياة قاسية تعاش بصمت.
في قراءة اجتماعية لهذه الظاهرة، يرى الخبير في الشؤون الاجتماعية الدكتور حسن الصباريني أن الانتشار الواسع لتطبيق مثل "?Are You Dead" يعكس تحولا واضحا في شكل العلاقات الاجتماعية داخل المدن الحديثة. كثير من هذه العلاقات، بحسب وصفه، أصابها الفتور والبرود، تحت عناوين مثل الحرية الشخصية والاستقلالية، إلى أن أصبحت ثقافة سائدة في الحياة الحضرية.
يوضح الصباريني أن هذا النمط يقوم على علاقات ضعيفة، تفتقر إلى التماسك والود، وغالبا ما تبنى على المصلحة أكثر من كونها روابط إنسانية حقيقية. ورغم ذلك، يشير إلى أن المجتمع الأردني لم يصل بالكامل إلى هذا المستوى من التفكك، حتى الآن، رغم كثرة المؤثرات والمشتتات التي تحاول الدفع بهذا الاتجاه. لكن ظهور مثل هذه التطبيقات يسلط الضوء على علاقات آخذة في التغير، تتراجع فيها مظاهر التضامن، ويغيب فيها التواصل الإنساني اليومي.
العزلة الاختيارية..
هل أصبحت أكثر شيوعا؟
العزلة التي يعيشها ملايين الأشخاص في العالم، يوضحها الدكتور حسن الصباريني أن ما يعرف بـ"العزلة الاختيارية" أصبح أكثر شيوعا، لكنه لا يراها خيارا فرديا خالصا. من وجهة نظره، هي نتيجة مباشرة لضغوط اجتماعية واقتصادية متراكمة.
يشرح أن الحياة لم تكن بهذا القدر من الضغط في السابق، لكن تصاعد الأعباء المعيشية، إلى جانب الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أسهما في تراجع الزيارات العائلية والحوار المباشر، وحتى العلاقات بين الأقارب والأصدقاء. ورغم أن السوشال ميديا مجرد أداة، إلا أن سوء استخدامها، مع هذه الضغوط، عمق الشعور بالعزلة بدل أن يخففه.
انتشار تطبيق "?Are You Dead" جاء نتيجة تداخل عوامل اجتماعية وتكنولوجية عدة في الوقت نفسه. في السنوات الأخيرة، ارتفعت أعداد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم في المدن الكبرى، سواء من الشباب العاملين أو كبار السن. هذا الواقع خلق حاجة متزايدة لأدوات تمنح شعورا بالأمان في غياب المتابعة اليومية.
إلى جانب ذلك، ضعف الروابط الاجتماعية في البيئات الحضرية جعل الغياب المفاجئ أمرا قد يمر من دون ملاحظة. هنا بدا التطبيق كحل عملي لسد فجوة بسيطة لكنها حساسة، تتعلق بالاطمئنان على وجود الشخص وسلامته.
كما لعب الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا دورا أساسيا. كثيرون باتوا ينظرون إلى التطبيقات الرقمية كبدائل جزئية للدعم الأسري أو الاجتماعي، خاصة من يعيشون بعيدا عن عائلاتهم. وجد هؤلاء في التطبيق وسيلة غير متطفلة لشعور أن هناك من يهتم، من دون مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية.
ولا يمكن تجاهل عامل البساطة، فمقارنة بتطبيقات أمان تعتمد على التتبع أو مشاركة الموقع، قدم "?Are You Dead" فكرة مباشرة وسهلة، ما جعله مقبولا لدى فئات واسعة. هذه العوامل مجتمعة ساعدت في تصدره قوائم التطبيقات المدفوعة على متجر آبل في الصين.
انتشار التطبيق.. أرقام وحقائق
ضعف شبكات الدعم الاجتماعي أسهم في انتشار التطبيق بسرعة. تقارير إعلامية أشارت إلى أن التطبيق تصدر قائمة التطبيقات المدفوعة الأكثر تحميلا على متجر آبل في الصين مطلع كانون الثاني (يناير) 2026، بسعر يقارب 8 يوان، أي نحو 1.15 دولار.
بعض المصادر ذكرت أيضا أن التطبيق تجاوز 10 ملايين تحميل بعد أن لفت الانتباه على منصات التواصل الصينية. هذا التفاعل جاء بالتزامن مع تنامي ظاهرة العيش بمفردك في الصين. بيانات من مكتب الإحصاء الصيني أظهرت أن عدد الأسر المكونة من فرد واحد تجاوز 106 ملايين أسرة في العام 2024، بزيادة كبيرة مقارنة بخمسة أعوام سابقة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، هي مؤشرات على واقع اجتماعي قاس. ملايين يعيشون معاناة صامتة، ويفتقرون للرعاية اليومية. أحيانا مجرد السؤال عن شخص قد يكون فعلا صغيرا، لكنه مؤثر بعمق، لأنه يكشف هشاشة الإنسان والعالم من حوله.
اسم التطبيق كان جزءا أساسيا من الجدل. عبارة "هل أنت ميت؟" بدت للكثيرين قاسية نفسيا، خاصة لمن يعانون من القلق أو الاكتئاب. بعض المستخدمين رأوا أن السؤال قد يثير الخوف بدل الطمأنينة، وطالبوا بتغييره إلى عبارات ألطف، مثل "هل أنت بخير؟" أو "هل كل شيء على ما يرام؟".
اسم صادم وجدلية واسعة
في المقابل، دافع مطورو التطبيق عن الاسم. قالوا إن صراحته مقصودة، وإنه يعكس واقعا اجتماعيا قاسيا، حيث قد يمر غياب الأشخاص الذين يعيشون وحدهم من دون أن ينتبه لهم أحد. من وجهة نظرهم، السؤال الصادم يلفت الانتباه إلى خطورة العزلة أكثر من أي تعبير ملطف.
في هذا السياق، يقرأ الدكتور حسن الصباريني اختيار الاسم كدلالة خطيرة على غياب السؤال عن الآخر، وانقطاع الروابط الإنسانية الأساسية. الصدمة هنا برأيه، لا تهدف فقط لجذب الانتباه، بل تكشف فشلا في بناء علاقات حقيقية وغياب صلة الرحم، إلى درجة أن الإنسان قد لا يعرف شيئا عن جاره، هذا مؤشر خطر يهدد بنية المجتمع.
يؤكد الصباريني أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وأن اختيار العزلة غالبا ما يدل على اضطرابات نفسية أو اجتماعية، لأنها حالة غير طبيعية في التكوين الإنساني. لذلك، يرى أن انتشار مثل هذه التطبيقات في العالمين العربي والإسلامي أمر مقلق ومحزن، ويستدعي الانتباه، رغم تأكيده أن الروابط الأسرية والاجتماعية ما تزال أقوى في مجتمعاتنا مقارنة بالمجتمعات الغربية.
ويعزو انتشار هذه الظواهر في الغرب إلى غياب بعض القيم التي تربت عليها المجتمعات العربية، مثل صلة الرحم وبر الوالدين، ما يجعل التفكك الاجتماعي هناك أكثر شيوعا، ويخلق بيئة مناسبة لمثل هذه التطبيقات.
لا "تبخل" بالسؤال عن "من يهمك"!
التطبيق يذكرنا بأمر بسيط. لا يجب أن نبخل بالسؤال عن من يهموننا. رسالة، اتصال، أو سؤال عابر مثل "هل أنت بخير؟" قد يكون الفارق بين الأمان والضرر، وبين الشعور بالانتماء والوحدة الصامتة.
يقول محمد إن فكرة التطبيق ذكية، خاصة لكبار السن أو الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، مشيرا إلى أنه ليس الجميع يجد من يسأل عنه يوميا. ويضيف أن وجود تطبيق بسيط قادر على التنبيه في حال حدوث طارئ قد يسد نقصا حقيقيا، معتبرا أن التكنولوجيا أحيانا تقدم حلولا عملية لفراغ إنساني قائم.
وفي المقابل، يعارضه عمر، معتبرا أن الفكرة بحد ذاتها مقلقة، إذ تعكس وصول المجتمع إلى مرحلة يحتاج فيها الإنسان إلى تطبيق يسأله إن كان على قيد الحياة. ويرى أن المشكلة ليست تقنية بقدر ما هي اجتماعية، ناتجة عن تراجع السؤال والاهتمام المتبادل، مؤكدا أنه لو كانت العلاقات الإنسانية طبيعية لما برزت الحاجة لمثل هذه التطبيقات.
في النهاية، "?Are You Dead" ليس مجرد تطبيق رقمي. هو مرآة لعالم منعزل، ولحاجة الإنسان العميقة للشعور بالاهتمام. العالم قد يكون قاسيا، لكن السؤال الصادق عن الآخرين يظل أكثر الأفعال إنسانية.
وفي تقييمه لدور التكنولوجيا، يوضح الصباريني أن التطبيقات ووسائل التواصل قد تكون نعمة إذا أُحسن التعامل معها. يمكنها أن تقرب البعيد وتدعم بعض العلاقات. المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها والهدف منها.
التكنولوجيا والشعور بالأمان والطمأنينة
قد لا يكون تطبيق "?Are You Dead" حلا جذريا لمشكلة العزلة، لكنه يضع إصبعه على جرح اجتماعي يتسع بصمت. يكشف إلى أي حد أصبح الإنسان مضطرا للاعتماد على التكنولوجيا ليشعر بالطمأنينة. عندما يتحول السؤال عن الوجود إلى إشعار على شاشة هاتف، ندرك أن المشكلة أعمق من تطبيق.
بين من يراه طوق نجاة ذكيا، ومن يعتبره إنذارا أخيرا لتراجع العلاقات الإنسانية، يبقى "?Are You Dead" شاهدا على مرحلة جديدة يقاس فيها الأمان بضغطة زر، ويختصر فيها الاهتمام بسؤال رقمي واحد.
ويبقى السؤال: هل نحتاج فعلا إلى تطبيق يسألنا إن كنا أحياء، أم إلى مجتمع أقرب لا يترك هذا السؤال بلا جواب؟
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
19-01-2026 09:12 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||