11-01-2026 04:33 PM
بقلم : عماد صقر النعانعة
في المشهد السياسي الأردني، لا يمثل "المنصب" مجرد مسؤولية إدارية، بل هو مزيج معقد من الوجاهة الاجتماعية، والالتزام العشائري، والرؤية المؤسسية. ومع دخول الدولة مئويتها الثانية، تبرز تساؤلات جوهرية حول "سيكولوجية التمكين": كيف يُصنع المسؤول؟ وكيف تؤثر ثقافة الإقصاء في تشكيل وعي جيل شاب يجد نفسه خارج حسابات "الكراسي"؟
(سيكولوجية "الولاء المزدوج" وصراع الهوية)
المسؤول في الأردن غالباً ما يعاني من انقسام في "الأنا" السياسية؛ فهو مطالب بالولاء التام للمؤسسة الرسمية كشرط للتمكين، وفي الوقت ذاته، لا يمكنه الانفصال عن قاعدته الاجتماعية التي تمنحه الثقل النفسي. والنتيجة هنا هي تحول المنصب في الوعي الجمعي إلى "مغنم جماعي" وليس مجرد وظيفة عامة، مما يضع المسؤول تحت ضغط اتخاذ قرارات "حمائية" لضمان استمرار ظهيره الاجتماعي، خوفاً من العزلة السياسية بعد الخروج من السلطة.
(معضلة "تدوير النخب" وإعادة إنتاج الإحباط)
تتجلى سيكولوجية التمكين بوضوح في ظاهرة "تدوير المناصب"؛ حيث يميل صانع القرار إلى "الأمان النفسي" عبر اختيار الشخصيات المجربة التي تتقن لغة البيروقراطية وتتجنب الصدمات. هذا السلوك يخلق ما يسمى بـ "الفكر الحمائي"، حيث يتم استنساخ النخب لضمان الاستقرار، مما يولد شعوراً عارماً لدى الشباب بـ "الإقصاء الممنهج". هذا الإحباط ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لرؤية الشباب لفرص التمكين وهي تُمنح بناءً على "العلاقات" لا "الكفاءات"، مما يكسر لديهم الثقة في قيم العدالة والمواطنة.
(التمكين الصوري ومناعة "الحرس القديم")
على الرغم من الرؤية الملكية الساعية لدمج الشباب، إلا أن التطبيق يصطدم غالباً بـ "مقاومة نفسية" من الجهاز الإداري التقليدي. يظهر هنا ما يمكن تسميته بـ "التمكين الصوري"، وهو منح الشباب ألقاباً استشارية أو مقاعد شكلية دون تفويض حقيقي بسلطة القرار. هذه الحالة تخلق جيلاً من الشباب "المحبط وظيفياً وسياسياً"، الذي يشعر أن صوته مجرد صدى في أروقة مغلقة، مما يدفعه للبحث عن فضاءات بديلة للتعبير عن غضبه.
(الفضاء الإلكتروني: من الإحباط إلى خطاب الكراهية والتطرف)
هنا تكمن الخطورة الكبرى؛ فعندما يُغلق باب التمكين الحقيقي في الواقع، ينفجر الإحباط في "الفضاء الإلكتروني". منصات التواصل الاجتماعي في الأردن تحولت إلى ساحة لتفريغ الكبت السياسي والاجتماعي، حيث يجد الشباب المحبط أنفسهم فريسة سهلة لتيارات تتقن "صناعة الغضب":
خطاب الكراهية: يتحول النقد السياسي إلى هجوم شخصي واستهداف للمكونات الاجتماعية نتيجة غياب قنوات الحوار المؤسسي.
استغلال الجانب الديني والمجتمعي: تنشط أجندات التطرف في استثمار "مظلومية الشباب" لتقديم بدائل وهمية مغلفة بشعارات دينية أو شعوبية، مستغلة حالة الفراغ السياسي واليأس من التغيير عبر القنوات الرسمية.
الاغتراب الرقمي: يصبح الفضاء الرقمي مكاناً لتأليب الرأي العام ضد الدولة، ليس من باب الإصلاح، بل من باب الانتقام النفسي من منظومة يراها الشاب "مغلقة ومستبدة بالمناصب".
(نحو "سيكولوجية الخدمة": أفق التحديث )
إن نجاح مشروع التحديث السياسي مرهون بقدرته على كسر حلقة الإقصاء. التمكين الحقيقي ليس "منحة" تُعطى، بل هو مسار كفاءة يضمن للشباب أن يكونوا شركاء في القرار لا مجرد أدوات لتجميل المشهد. إن الانتقال من سيكولوجية "الوجاهة" إلى سيكولوجية "الأداء" هو الضمان الوحيد لتحصين الشباب ضد خطاب الكراهية والفكر المتطرف؛ فالمسؤول الذي يُحاسب على إنجازه، والمؤسسة التي تفتح أبوابها للكفاءة، هما الصد المنيع أمام أي أجندات تسعى لاستغلال الإحباط الشعبي.
ختاماً، إن سيكولوجية التمكين في الأردن يجب أن تخرج من نفق 'المجاملة السياسية' إلى فضاء 'المواطنة المنتجة'. إن استمرار نهج الإقصاء في تقليد المناصب ليس مجرد خسارة إدارية، بل هو هدم لجسور الثقة بين الدولة وجيلها الشاب، مما يترك الفراغ نهباً لأجندات التطرف ومنصات التحريض التي تقتات على مرارة التهميش. إن تحصين الجبهة الداخلية يبدأ من منح الشباب 'حصة في الحلم' ومكاناً حقيقياً على طاولة القرار؛ فالدولة القوية هي التي تستمد هيبتها من عدالة توزيع الفرص، لا من انغلاق دوائر السلطة على أسماء بعينها."
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
11-01-2026 04:33 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||