05-01-2026 10:46 PM
بقلم : ماهر البطوش
في الأيام الأخيرة تناولت منصات التواصل الاجتماعي مشاهد صادمة لعملية مصادرة بسطات خضار وفواكه في محافظة الزرقاء، تبعها إتلاف تلك المواد الغذائية عبر ضاغطة نفايات، هذه المشاهد لم تكن عابرة في الوجدان العام، لأنها لم تمثل مجرد إجراء إداري، بل طرحت العديد من الأسئلة القانونية والأخلاقية والإنسانية العميقة حول حدود السلطة الإدارية، ومفهوم المصلحة العامة، وكيف يمكن لتصرف مشروع في ظاهره أن يتحول لمساس مباشر بقيم المجتمع ونعمة أوجب الله عز وجل حفظها لا إهدارها.
من الناحية القانونية لا خلاف على أن للإدارة المحلية صلاحيات تنظيم الأسواق والحد من الاعتداء على الأرصفة والطرق العامة، وأن القوانين والأنظمة البلدية خولت باتخاذ إجراءات بحق المخالفين. غير أن جوهر المشروعية الإدارية لا يقوم فقط على وجود النص، بل على كيفية تطبيقه، ومدى أن يتناسب الإجراء مع المخالفة.
فالمشروعية في الفقه الإداري الحديث تقوم على مبدأ أساسي هو (التناسب) أي أن يكون القرار الإداري أقل الوسائل إضرار بالحقوق، وأكثرها تحقيق للهدف العام.
إتلاف الخضار والفواكه، وهي مواد صالحة للاستهلاك الآدمي، يثير تساؤل مشروع: هل كان الإتلاف ضرورة حتمية لتحقيق النظام العام؟ أم كان يمكن تحقيق ذات الغاية عبر طرق ووسائل أقل قسوة، كالمصادرة المؤقتة، أو تنظيم المواقع، أو نقل البضائع لأماكن مخصصة، أو حتى التبرع بها للجهات الخيرية ضمن أطر قانونية واضحة؟ هنا يظهر الفرق بين سلطة الإدارة وواجبها؛ فالسلطة تخوّل، أما الواجب فيُلزمها بحسن استعمال هذه السلطة.
الأخطر من ذلك أن إتلاف النعمة بهذا الشكل لا يمس فقط صاحب البسطة الذي في الغالب ما يكون من الفئات الكادحة التي تعتمد على قوت يومها، بل يمس المجتمع بأسره، ففي دولة تعاني من تحديات اقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، يصبح إهدار الغذاء فعل يتعارض مع مقاصد العدالة الاجتماعية، ومع القيم الدستورية التي تكرس كرامة الإنسان، ومع المبادئ الدينية التي تحرم التبذير وتدعو إلى صون النعمة.
من زاوية المسؤولية الإدارية، فالقرار الذي يؤدي إلى إتلاف المال دون ضرورة قد يفتح الباب للحديث عن الانحراف في استعمال السلطة، وهو أحد أوجه عدم المشروعية التي يقرّها القضاء الإداري، فالغاية من الضبط الإداري هي الوقاية والتنظيم، لا العقاب غير المعلن، ولا إيقاع الضرر الاقتصادي والاجتماعي باسم تطبيق القانون.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالمواجهة القاسية، بل بالحكمة التشريعية والإدارية، فتنظيم البسطات يحتاج لحلول واقعية تراعي حق البلدية في التنظيم، وحق البائع في العمل، وحق المجتمع في الحفاظ على الغذاء. ويمكن للإدارة أن تضع بدائل واضحة، كترخيص مؤقت، أو تحديد أماكن مخصصة، أو فرض غرامات متدرجة بدل الإتلاف، مع اعتماد سياسات إنسانية في التعامل مع المواد المصادرة.
وفي الختام، فإن النصيحة التي تفرض نفسها اليوم ليست موجهة للإدارة وحدها، بل لكل من يتعامل مع الشأن العام: طبّقوا القانون، نعم، لكن بروحه لا بحرفيته الجامدة. احفظوا النظام، لكن دون أن يتحول التنظيم إلى إتلاف، والضبط إلى قسوة، والسلطة إلى مشهد يجرح الوعي العام. فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ قراراتها، بل بحكمتها في اختيار الطريقة التي تنفذ بها تلك القرارات، وبقدرتها على صون الإنسان والنعمة معاً.