حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,1 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5459

د. جهاد يونس القديمات يكتب: فلسفة التحول، كيف يولد الألم التغيير؟

د. جهاد يونس القديمات يكتب: فلسفة التحول، كيف يولد الألم التغيير؟

د. جهاد يونس القديمات يكتب: فلسفة التحول، كيف يولد الألم التغيير؟

01-01-2026 08:26 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. جهاد يونس القديمات
يعتبر الألم تجربة إنسانية لا يكاد يخلو منها أحد!، وهو جزء طبيعي من مسار الحياة مهما اختلفت أشكاله وأسبابه، قد يأتي الألم نتيجة فقد شخص عزيز، أو خيبة أمل، أو فشل في تجربة ما، أو ظلم تعرض له الإنسان دون وجه حق، في كل هذه الحالات، لا يكون الألم مجرد إحساس عابر، بل صدمة داخلية تهز الاستقرار النفسي وتدفع الإنسان إلى إعادة النظر في نفسه وفي العالم من حوله، ومع ذلك، فإن الألم بحد ذاته لا يحدد مصير الإنسان، بل الطريقة التي يتعامل بها معه ويفهمه ويمنحه معنى.
من المهم التفريق بين الألم والمعاناة، فالألم حدث يقع في زمن محدد، أما المعاناة فهي حالة نفسية قد تطول بسبب الأفكار السلبية المرتبطة بذلك الحدث، فعندما يربط الإنسان ألمه بتفسيرات قاسية مثل الشعور الدائم بالفشل، أو التعميم بالقول (بأن كل الناس سيئون)، أو الاعتقاد بأن (الحياة لا تحمل إلا الخذلان)، فإن الألم يتحول إلى معاناة مستمرة، هنا يصبح العقل شريكا في إطالة الألم، لا في تجاوزه.
كثير من البشر يتألمون، لكن ليس كل من يتألم يتعلم، السبب أن التعلم لا يحدث تلقائيا، بل يحتاج إلى وعي وتوقف ومراجعة صادقة، فبعض الأشخاص يهربون من الألم بالانشغال أو الإنكار أو إسقاط اللوم على الآخرين فقط، فيمر الألم دون أن يترك أثرا بناء، في هذه الحالة، قد يكرر الإنسان الأخطاء نفسها في تجارب لاحقة، لأن السبب الحقيقي لم يفهم ولم يعالج.
يختبر الألم كذلك القيم الأخلاقية للإنسان، فقد يدفعه إلى مزيد من التواضع والتعاطف مع الآخرين، لأنه ذاق المعاناة بنفسه، وقد يدفعه في المقابل إلى الغضب والانتقام والأنانية، هنا يظهر عمق التحول، لأن التغيير الحقيقي لا يقتصر على السلوك الظاهر، بل يشمل الاتجاه الداخلي للنفس.
من جانب آخر، فإن التعلم من الألم يبدأ عندما يطرح الإنسان على نفسه أسئلة هادئة، لا أسئلة قاسية أو اتهامية، مثل: ماذا حدث فعلا؟، ما الذي كنت أتجاهله؟، ما الحدود التي لم أضعها؟، ما التوقعات غير الواقعية التي بنيت عليها قراراتي؟، هذه الأسئلة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى فهم التجربة كما هي، دون تزييف أو تهرب. عند هذه النقطة، يبدأ الألم بفقدان حدته، لأنه لم يعد غامضا أو مربكا.
التعلم الحقيقي لا يعني أن الإنسان كان مخطئا دائما أو مسؤولا عن كل ما جرى، بل يعني أن يفهم دوره وحدود مسؤوليته، أحيانا يكون الخطأ من الطرف الآخر، لكن التعلم هنا يكون في كيفية الاختيار أو الاستمرار أو الصمت أو التنازل، بهذا الفهم المتوازن، يتحول الألم من جرح مفتوح إلى درس واضح، يمكن الاستفادة منه مستقبلا.
مع ذلك، فكثير من المتألمين يتوقفون عند مرحلة التعلم ولا ينتقلون إلى التغيير، يفهمون جيدا ما الذي حدث ولماذا حدث؟، لكنهم لا يغيرون سلوكهم، بل يعودون إلى الأنماط نفسها، ويقعون في المشكلات ذاتها بأسماء مختلفة، والسبب في ذلك غالبا هو الخوف من التغيير، لأن التغيير يعني مغادرة المألوف، حتى لو كان مؤلما، والدخول إلى مساحة جديدة غير مضمونة.
التغيير ليس فكرة جميلة ولا قرارا لحظيا، بل هو سلوك يومي متكرر، في المنظور السلوكي، لا يقاس التغيير بما يقوله الإنسان عن نفسه، بل بما يفعله فعليا، ويظهر التغيير حين يتعلم الإنسان أن يقول (لا)، عندما يجب أن يقولها، وحين يتوقف عن تبرير تصرفات تؤذيه، وحين يراجع اندفاعه قبل اتخاذ قرارات مصيرية، هذه الأفعال البسيطة هي العلامة الحقيقية على أن الألم أدى دوره.
التغيير غالبا يكون بطيئا، وهذا أمر طبيعي، فكثيرون يعتقدون أن التغيير يجب أن يكون جذريا وسريعا، وعندما لا يحدث ذلك يصابون بالإحباط، في الحقيقة، التغيير العميق يحدث عبر خطوات صغيرة متراكمة، فكل خطوة بسيطة، مثل ضبط رد فعل أو تعديل أسلوب تعامل، تسهم في بناء نمط جديد أكثر توازنا.
من العلامات المهمة على حدوث التغيير الحقيقي انخفاض تكرار الأخطاء السابقة، فقد يخطئ الإنسان مرة أخرى، لكن ليس بالطريقة نفسها ولا بالحدة نفسها ( لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين!)، كما يظهر التغيير في درجة الهدوء الداخلي، حيث يصبح الإنسان أقل توترا وأكثر قدرة على التفكير قبل الانفعال، كذلك يزداد وضوح الرؤية، ويصبح اتخاذ القرار أبطأ لكنه أكثر دقة.
لكن ليس كل من تغير بعد الألم قد نضج، أحيانا يقود الألم إلى التصلب بدل النضج، فالتصلب يظهر في القسوة الزائدة، وسوء الظن الدائم، والانغلاق على الذات، ورفض أي تجربة جديدة خوفا من التكرار، هذا النوع من التغيير هو في الحقيقة دفاع نفسي ناتج عن الخوف، لا عن الفهم، أما النضج؛ فيتميز بالوعي والمرونة معا، الشخص الناضج بعد الألم لا يصبح ساذجا، لكنه لا يصبح قاسيا أيضاً، يتعلم كيف يوازن بين الحذر والثقة، وبين العقل والعاطفة، النضج لا يلغي الألم السابق، لكنه يمنع تحوله إلى عقدة مسيطرة على الحاضر.
لكي يتحول الألم إلى نقطة نضج حقيقية، لا بد من توفر ثلاثة أمور أساسية، أولها الصدق مع الذات، دون تزييف أو تبرير، ثانيها تحمل المسؤولية بحدودها الواقعية، دون جلد أو إنكار، وثالثها الصبر على التغيير، لأن النفس لا تتبدل بين يوم وليلة.
في السياق الديني أو القيمي، يظهر الفرق بين من يستخدم الألم لتزكية النفس ومن يستخدمه لتبرير القسوة، فالألم قد يكون سببا لمراجعة النفس وضبطها، أو ذريعة لتشديد الأحكام على الآخرين، هذه النقطة تحدد إن كان التغيير بناء أم هروبا مقنعا.
أخيرا، العبارة المتداولة: (تألمت، فتعلمت، فتغيرت!) ليست مسارا تلقائيا يمر به الجميع، بل خيارا واعيا، فالألم يحدث للجميع بلا استثناء، لكن التعلم يحتاج شجاعة، والتغيير يحتاج التزاما، فمن خرج من ألمه أكثر هدوءا، وأكثر وعيا، وأقل اندفاعا، فقد استفاد من التجربة، وأما من بقي أسير القصة نفسها، يعيدها بأشكال مختلفة، فما زالت تجربته غير مكتملة، واختم قولي بآية 11 من سورة التغابن (ما أصاب من مصيبة إِلا بإِذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم).











طباعة
  • المشاهدات: 5459
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
01-01-2026 08:26 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تنجح إدارة ترامب وحكومة الشرع في القضاء على "داعش" بسوريا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم