22-12-2025 12:35 PM
بقلم : د. جهاد يونس القديمات
على مدار السنوات الأخيرة، تحولت ريادة الأعمال Entrepreneurship إلى كلمة محورية في الخطاب الجامعي والإعلامي والتنموي، لا يكاد يخلو مؤتمر أكاديمي أو خطة استراتيجية جامعية من الحديث عن الابتكار Innovation، والمشاريع الناشئة Startups، وتمكين الطلبة من خلق فرصهم بأنفسهم، أنشئت مراكز للريادة في معظم الجامعات، وأطلقت حاضنات أعمال، وأدرجت مساقات متخصصة، ونظمت مسابقات تحمل عناوين جذابة، ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر حساسية مطروحا بصوت خافت: لماذا رغم كل هذا، لا نرى أثرا واسعا ومستداما في الواقع؟، ولماذا يتخرج معظم الطلبة دون أن يمتلكوا القدرة الفعلية على بناء مشروع صغير قابل للحياة؟.
هذا التساؤل لا يستهدف الجامعات بالاتهام، ولا يقلل من الجهود المبذولة، بل يسعى إلى قراءة واقعية وعميقة لطبيعة العلاقة بين التعليم الأكاديمي وريادة الأعمال، وإلى إعادة ضبط التوقعات لدى الجميع، إدارة جامعية، وهيئة تدريس، وطلبة.
لفهم المسألة، لا بد أولا من الاعتراف بحقيقة أساسية، وهي أن الجامعة لم تنشأ تاريخيا لتصنع رواد أعمال، الجامعة تقدم المعرفة بالدرجة الأولى، وظيفتها نقل المعرفة المنظمة، وبناء التفكير النقدي، وتأهيل الطلبة لفهم العالم وتحليله، هي جهة تعمل ضمن أنظمة دقيقة، ومعايير جودة صارمة، وتقاس مخرجاتها عبر مؤشرات واضحة، هذا الدور ليس نقصا ولا تقصيرا، بل هو جوهر العمل الأكاديمي.
في المقابل، تقوم ريادة الأعمال على منطق مختلف تماما، فهي لا تتحرك في بيئة مستقرة، ولا تعتمد على إجابات جاهزة، ولا تكافئ الالتزام الصارم بالقواعد، ورائد الأعمال يعمل في منطقة رمادية، حيث المعلومات ناقصة، والقرارات غير مكتملة، والنتائج غير مضمونة، هنا يظهر التناقض الأول، أن الجامعة تكافئ الإجابة الصحيحة، بينما الريادة تكافئ المغامرة الجريئة.
في القاعة الدراسية، يتعلم الطالب أن لكل سؤال إجابة، وأن النجاح يعني الوصول إلى هذه الإجابة بدقة، يتعلم أن الخطأ يقلل العلامة، وأن التردد ضعف، وأن الخروج عن النموذج مخاطرة غير محمودة، هذه القيم رغم أهميتها في التعليم، لا تنسجم مع عالم الريادة، حيث لا يوجد نموذج واحد صحيح، ولا مسار مضمون، ولا علامة نهائية.
يتلقى الطلبة في الجامعات معارف أساسية لا غنى عنها، مثل مبادئ الإدارة، التخطيط، التسويق، نماذج الأعمال، والتحليل المالي، غير أن المشكلة لا تكمن في نقص هذه المعارف، بل في سياق تقديمها، فالسوق الحقيقي لا يشبه الأمثلة الموجودة في الكتب، والعميل في الواقع لا يتصرف كما هو متوقع، والمنافسة ليست متوازنة، والموارد محدودة، والوقت ضاغط، لذلك؛ يتخرج كثير من الطلبة وهم يعرفون كيف يكتبون خطة عمل ممتازة، لكنهم لا يعرفون كيف يحصلون على أول عميل، ولا كيف يبيعون فكرة بسيطة، ولا كيف يتعاملون مع الرفض.
تتجلى هذه الفجوة بوضوح في مشاريع التخرج، كثير من هذه المشاريع تنفذ باحتراف أكاديمي عال، وتعرض بشكل أنيق، وتناقش أمام لجان متخصصة، لكنها تفتقر إلى عنصر جوهري وهي السوق!، فلا يوجد مستخدمون حقيقيون، ولا دخل، ولا اختبار واقعي، فالمشروع يقيم داخل القاعة، لا خارجها، وبهذا يتعلم الطالب أن النجاح يعني إقناع لجنة أكاديمية، لا إقناع شخص حقيقي بدفع المال.
كما أن النظام الأكاديمي بطبيعته، يكافئ التفوق والانضباط، والطالب المتفوق هو من يلتزم، ويحفظ، ويتقن الإجابة النموذجية، هذه الصفات قيمة، لكنها لا تصنع بالضرورة رائد أعمال، والريادة تحتاج إلى شخص يتحمل الغموض، ويقبل الخطأ، ويجرب دون ضمانات، والكثير من الطلبة المتفوقين يخشون الفشل، لأنهم ربطوا قيمتهم الذاتية بالنجاح الأكاديمي، وعندما يواجهون أول إخفاق حقيقي خارج القاعة يتراجعون.
تلعب الثقافة التعليمية دورا حاسما هنا، فمنذ المراحل الدراسية الأولى، ينشأ الطالب على أن الخطأ عيب، وأن الرسوب نهاية، وأن المحاولة غير المضمونة مخاطرة غير مقبولة، هذه الثقافة تنتج أفرادا حذرين، يبحثون عن الأمان الوظيفي ويتجنبون المبادرة، وعندما يطلب منهم فجأة أن يكونوا رواد أعمال، يطلب منهم فعليا أن يتخلوا عن نمط تفكير تشكل لديهم على مدى سنوات طويلة.
المشكلة تبدأ عندما يقنع الطالب بأن مجرد تسجيله في مساق ريادة أو مشاركته في مسابقة سيجعله رائد أعمال، هذا الفهم الخاطئ يؤدي إلى إحباط لاحق، وإلى تحميل الجامعة مسؤولية نتائج لا تملك السيطرة عليها، في المقابل، عندما يدرك الطالب أن الجامعة مرحلة من مراحل التعلم، لا أكثر، يصبح أكثر وعيا في استثمار وقته وجهده، أما على مستوى إدارات الجامعات وأعضاء هيئة التدريس، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إضافة مزيد من المساقات، بل في خلق بيئة تسمح بالتجربة، وتقبل الفشل، وتشجع التعلم خارج القاعة، بيئة تعترف بأن السوق شريك في التعليم، لا مجرد نتيجة لاحقة له.
لهذا السبب، لا يمكن النظر إلى الريادة بوصفها مادة دراسية تقليدية، يمكن فيها شرح المفاهيم، وتقديم النماذج، وتحليل التجارب، لكن لا يمكن تدريس الجرأة، ولا الصبر، ولا القدرة على الاستمرار بعد الفشل، وهذه صفات تبنى بالتجربة Hands on Experience، والاحتكاك المباشر بالسوق، وعندما تدرس الريادة كمساق نظري فقط، يتحول الأمر إلى معرفة بلا ممارسة، وحماسة بلا أثر.
ينطبق الأمر ذاته على مسابقات الريادة التي انتشرت في الجامعات، هذه المسابقات تلعب دورا إيجابيا في تشجيع التفكير الإبداعي وبناء الثقة، لكنها في كثير من الأحيان تركز على العرض والتقديم أكثر من التنفيذ والاستمرارية، وتنتهي المسابقة، وتختفي أغلب المشاريع معها، لأن الريادة ليست حدثا، بل مسارا طويلا ومنهكا.
التجارب الواقعية تشير إلى أن ما يصنع رائد الأعمال فعليا هو الاحتكاك المبكر بالسوق، والطالب يعمل على مشروع صغير أثناء دراسته، حتى لو فشل، يتعلم أكثر مما يتعلمه من عشر محاضرات، محاولة البيع، التعامل مع الزبائن، مواجهة الرفض، تعديل الفكرة، كلها دروس لا تدرس في الكتب، حتى الفشل هنا يعد مكسبا، لأنه يحدث في وقت تكون فيه الكلفة أقل، كذلك؛ يلعب وجود مرشد عملي Mentor دورا مهما، المرشد الذي خاض التجربة بنفسه، ومر بالفشل قبل النجاح، يستطيع نقل معرفة ضمنية Tacit Knowledge التي لا لا تكتب ولا تدرس، هذه المعرفة هي ما يفتقده كثير من الطلبة عندما يخرجون إلى السوق لأول مرة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة تعريف دور الجامعة بواقعية، فالجامعة لا تصنع رائد أعمال، لكنها تستطيع أن تكون بيئة تمكينية Empowering environment؛ تستطيع أن تفتح الأبواب، وتقلل القيود، وتسمح بالتجربة، وتشجع المبادرات الفردية، دون أن تعد بالنجاح أو تبيع أوهاما، فالجامعة هنا تشبه المنصة، لا مصنعا للريادة.
في النهاية، السؤال الأهم ليس: لماذا لا تصنع الجامعات رواد أعمال؟ بل: كيف يمكن لكل طرف أن يؤدي دوره بوعي؟، الجامعة تؤدي دورها حين تمنح المعرفة والإطار، والمدرس يؤدي دوره حين يربط المفهوم بالواقع، والطالب يؤدي دوره حين لا ينتظر ضمانات، بل يبدأ بالتجربة والمغامرة، أي ان الجامعة بداية الطريق لا نهايته، والسوق هو الاختبار الحقيقي، ومن يدرك هذه الحقيقة مبكرا، يملك فرصة أفضل لبناء مشروع صغير واقعي، لا تمنيات في أحلام اليقظة.
--------
ملاحظة: تم كتابة هذه المقالة بناء على عدة قراءات صحفية، وحضور نقاشات ومؤتمرات متعددة في مجال التعليم والريادة، مع تحليل لتجارب الجامعات والطلاب في هذا السياق.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
22-12-2025 12:35 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||